يعود الحديث مجدداً عن اعتزام رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إطلاق حوار داخلي للقوى السياسية، باعتباره مدخلاً لمعالجة الأزمة السودانية. غير أن هذا الطرح، مهما حمل من عناوين براقة، يصطدم منذ اللحظة الأولى بعقبة يصعب تجاوزها، وهي غياب الثقة، وافتقاد المبادرة لما يراه كثير من المراقبين مقومات المصداقية وحسن النوايا.
فالحوار، في التجارب السياسية الناجحة، لا يبدأ بإعلان سياسي أو دعوة إعلامية، وإنما يبدأ بإجراءات عملية تؤكد أن الأطراف كافة ستكون شريكة في صناعة المستقبل، وأن مخرجات الحوار لن تكون مجرد غطاء لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة.
وفي الحالة السودانية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالبلاد تعيش حرباً مدمرة، وانقساماً سياسياً عميقاً، وانهياراً اقتصادياً وإنسانياً غير مسبوق. وفي ظل هذه الظروف، يصبح من المشروع التساؤل: هل يمكن لحوار تدعو إليه سلطة هي نفسها طرف رئيسي في الصراع أن يحظى بثقة القوى السياسية والمجتمع؟
هذا السؤال لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة البيئة السياسية التي سيجري فيها الحوار. فالثقة لا تُبنى بالخطابات، وإنما بالإجراءات التي تسبق الحوار، مثل تهيئة المناخ السياسي، وتوفير ضمانات الاستقلال، وضمان حرية المشاركة، وفتح المجال أمام جميع القوى دون إقصاء أو انتقاء.
ومن هنا، تبدو الدعوة الحالية، بالنسبة لقطاع واسع من القوى السياسية، أقرب إلى مبادرة تفتقر إلى الضمانات اللازمة، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية، وغياب توافق واضح حول الجهة التي ستدير الحوار وآليات اتخاذ القرار فيه.
التجربة السودانية نفسها تقدم أسباباً إضافية لهذا التشكيك. فقد شهدت البلاد خلال العقود الماضية عدداً من مبادرات الحوار الوطني التي انتهت، في نظر منتقديها، إلى تعزيز الأمر الواقع أكثر من إحداث تحول سياسي حقيقي. ولذلك فإن أي مبادرة جديدة ستظل أسيرة إرث طويل من الوعود التي لم تتحول إلى إصلاحات مؤسسية مستدامة.
ويذهب بعض المحللين إلى أن توقيت الحديث عن الحوار ليس منفصلاً عن الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجه السلطة، سواء بسبب الكلفة الإنسانية للحرب، أو تزايد الدعوات الدولية للعودة إلى مسار سياسي شامل. ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإظهار وجود عملية سياسية، أكثر من كونها تعبيراً عن تحول حقيقي في إدارة الأزمة.
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: من هم المشاركون في هذا الحوار؟ فإذا اقتصر على قوى بعينها، أو استبعد أطرافاً مؤثرة في المشهد السياسي، فإنه سيواجه منذ البداية أزمة شرعية وتمثيل، وسيكون أقرب إلى اجتماع سياسي محدود منه إلى حوار وطني جامع.
أما إذا كان الهدف هو بناء توافق وطني حقيقي، فإن ذلك يتطلب وجود وسيط يحظى بقبول واسع، وآليات مستقلة لإدارة الحوار، وضمانات لتنفيذ مخرجاته، بعيداً عن هيمنة أي طرف من أطراف الصراع.
ولا يمكن إغفال أن ملايين السودانيين الذين أنهكتهم الحرب باتوا ينظرون إلى أي مبادرة سياسية من زاوية نتائجها العملية، لا من خلال عناوينها. فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو أحد أفراد أسرته، لن يعنيه كثيراً إعلان حوار جديد إذا لم ينعكس ذلك على وقف القتال، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتهيئة الطريق نحو استقرار دائم.
إن الأزمة السودانية لم تعد تحتمل مبادرات رمزية أو خطوات شكلية. وما تحتاجه البلاد هو عملية سياسية شاملة تستند إلى بناء الثقة قبل البحث عن التسويات، وإلى إجراءات ملموسة تسبق المؤتمرات والبيانات، وتؤكد أن الحوار ليس وسيلة لكسب الوقت أو إعادة ترتيب المشهد، وإنما مدخل حقيقي لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.
ولهذا، فإن نجاح أي حوار لن يُقاس بعدد المشاركين أو طول جلساته، بل بقدرته على إقناع السودانيين بأنه يعبر عن إرادة وطنية مستقلة، وأنه لا يخدم طرفاً على حساب آخر. وما لم تتوافر هذه الشروط، فإن الدعوة إلى الحوار ستظل، في نظر كثيرين، تفتقد المصداقية وحسن النوايا، وتبقى مجرد حلقة جديدة في سلسلة المبادرات التي لم تنجح حتى الآن في إخراج السودان من أزمته الممتدة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.