تجفيف الموارد ونهب الذهب.. كيف يدير إخوان السودان “اقتصاد الحرب” من بورتسودان؟
تقرير ـ عين الحقيقة
في وقت يواجه فيه الشعب السوداني خطر المجاعة وتراجعاً حاداً في المنظومة الصحية والتعليمية، تشير تقارير إلى أن “حكومة الأمر الواقع” الخاضعة لنفوذ عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية، قد سخرت مقدرات البلاد كلياً لصالح خيار الحسم العسكري، مستغلة عوائد الثروات القومية وفي مقدمتها الذهب لتغذية الآلة الحربية وشراء الطائرات المسيرة والذخائر، في تجاهل تام لاحتياجات المواطنين الأساسية.
و تأتي هذه التطورات في ظل انعدام الشفافية وتحول السودان إلى مسرح لـ “اقتصاد حرب” معقد، تبنيه شبكات تمويل وتنظيمات موازية تسعى إلى إطالة أمد الصراع لضمان بقائها وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية.
تجريد القطاعات الخدمية لصالح الآلة الحربية
و كشفت مصادر مطلعة أن سلطة بورتسودان نسخت نهائياً التزاماتها الخدمية والأخلاقية تجاه المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، حيث جرى تقليص الميزانيات المخصصة للقطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم إلى أدنى مستوياتها، مقابل تحويل التدفقات المالية وعائدات الصادرات – وعلى رأسها الذهب – إلى حلفائها والكتائب والمليشيات الموالية لها.
ويؤكد مراقبون أن تحويل كافة موارد الدولة لصالح شراء التجهيزات العسكرية والمسيرات، مع غياب الموارد البديلة وتوقف الإنتاج الداخلي، يشكل جريمة بحق المدنيين الذين يفتقرون للحد الأدنى من مقومات الحياة والخدمات الطبية.
أركان “اقتصاد الظل”.. أربعة محاور لتمويل الأزمة
وحذرت المصادر نفسها من أن أي مساعٍ للتوصل إلى تسوية سياسية ستواجه خطر الفشل المباشر ما لم يتم تفكيك “الشريان الاقتصادي” للجهة المسيطرة في بورتسودان وتجفيف منابع تمويل الحركة الإسلامية.
وبحسب التحليلات والمصادر الميدانية، يعتمد هذا الاقتصاد الموازي على أربعة محاور رئيسية: تهريب الذهب والاستحواذ عليه ، حيث تركز شبكات النفوذ على الاستحواذ على إنتاج وتصدير الذهب في ولايات الشمال والشرق بعيداً عن أجهزة الرقابة المباشرة
و باحكام السيطرة على المعابر والموانئ و استغلال الموانئ البحرية والنقاط الحدودية لحصر الرسوم والعائدات لصالح المنظومة الأمنية والعسكرية التابعة للتنظيم.
وايضا المباشرة في صفقات سلاح غير شفافة وتجيير العائدات لصالح شبكات وسماسرة تابعين للنظام القديم.
و كذلك شبكات التمويل الخارجي وغسل الأموال من خلال تحريك رؤوس الأموال عبر قنوات إقليمية ودولية غير رسمية.
و تستند الحركة الإسلامية السودانية في إدارتها لهذا المشهد إلى البنية الاقتصادية التي شيدتها خلال ثلاثة عقود من الحكم (1989-2019)، والتي اتسمت بإنشاء “منظومات لاقتصاد الظل” وشبكات تجارية معقدة، فضلاً عن تراكم رأسمالي بالعملات الأجنبية.
وقد أتاح التحالف التاريخي بين تنظيم الإخوان والتنظيم العالمي امتلاك أصول وتأسيس شركات بشرائح متعددة الواجهات، بالإضافة إلى الاستفادة من الخبرات المكتسبة خلال عقود العقوبات الدولية لنقل وتدوير الأموال بعيداً عن أنظمة الرقابة المصرفية العالمية مثل “سويفت”.
وفي سياق البحث عن حلول للأزمة الممتدة، يرى الفاعل الحقوقي ورئيس هيئة محامي كردفان، محمود قطية، أن المشهد الحالي تجاوز حدود النزاع العسكري إلى “اقتصاد حرب متكامل”، حيث أضحت الحرب نفسها آلية لإنتاج الموارد وتوليد المصالح لأطراف ترغب في إطالة أمدها. ودعا قطية إلى استراتيجية شاملة تشمل:
تجفيف مصادر التمويل غير المشروع وملاحقة شبكات الفساد.
إخضاع تجارة الموارد والذهب للرقابة والشفافية.
استعادة مؤسسات الدولة الاقتصادية لصالح الموازنة العامة والإعمار.
و شدد مراقبون على ضرورة الشروع في خطوات عملية تبدأ بفرص الهدن الإنسانية وتثبيت القوات في مواقعها لتسهيل وصول المساعدات، مع اعتماد المرجعيات والارتكازات القانونية والدستورية الحاكمة، بما فيها قوانين الحكم اللامركزي وتقسيم الإيرادات بحوكمة شفافة تُعيد بناء الاقتصاد الوطني على أسس مدنية ومؤسسية بعيداً عن سيطرة تنظيمات الجماعات الأيديولوجية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.