مناوي… شوكة الحوت التي لا يستطيع الإسلاميون ابتلاعها

بقلم: سيف الدولة كمال

في السياسة السودانية، ليست كل المعارك تُحسم في ميادين القتال. فهناك معارك أكثر هدوءًا، لكنها أشد خطورة، تُدار داخل الغرف المغلقة، وفي دهاليز التحالفات، وحول مراكز النفوذ والمال والسلاح. ومن يراقب المشهد اليوم يدرك أن مني أركو مناوي أصبح أحد أعقد الملفات داخل معسكر بورتسودان، حتى بدا وكأنه “شوكة الحوت”… لا تُبتلع ولا يمكن تجاوزها.

قد يختلف الناس حول أداء الرجل، لكن لا يمكن إنكار أنه ما زال رقمًا صعبًا في معادلة الحرب والسياسة. صحيح أن حركة جيش تحرير السودان دفعت أثمانًا باهظة في معارك شمال دارفور، من المالحة إلى أم بعار والفاشر، وفقدت أعدادًا كبيرة من مقاتليها، إلا أن ذلك لم يُخرج مناوي من المشهد، بل أعاد تشكيل موقعه فيه.

لقد استطاع أن يحافظ على حضوره السياسي والعسكري، وأن يبني لنفسه نفوذًا يتجاوز حدود الحركة المسلحة، مستفيدًا من موقعه داخل السلطة ومن شبكة المصالح التي نشأت خلال سنوات الحرب. وفي السودان، لا تُقاس القوة بعدد الجنود فقط، وإنما بالقدرة على التأثير في القرار، وعلى حماية مواقع النفوذ، وعلى امتلاك أوراق تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل الإقدام على أي خطوة.

ولهذا، فإن معضلة مناوي بالنسبة للحركة الإسلامية ليست في شخصه وحده، بل في حجم القوة التي يمثلها داخل معسكر يفترض أنه يقف في خندق واحد. فالرجل ليس من صلب المشروع الإسلامي، وليس جزءًا من بنيته الفكرية أو التنظيمية، لكنه شريك فرضته ظروف الحرب وتعقيدات التحالفات. وهنا تكمن الأزمة.

في تقديري، تدرك الحركة الإسلامية أن الدخول في مواجهة مباشرة مع مناوي في هذا التوقيت قد تكون كلفته أعلى من مكاسبه، ولذلك تبدو العلاقة محكومة بحسابات دقيقة؛ فلا هي علاقة ثقة كاملة، ولا هي مواجهة مفتوحة. إنها حالة شد وجذب، يختلط فيها التعاون بالحذر، والتحالف بالتنافس.

ولعل ما يلفت الانتباه أن معسكر بورتسودان نفسه لم يعد كتلة واحدة كما يحاول أن يظهر. فداخله مصالح متباينة، ورؤى مختلفة، ومنافسة صامتة على النفوذ، وعلى من يملك الكلمة الأخيرة في مرحلة ما بعد الحرب. وفي مثل هذه البيئات، يصبح كل طرف حريصًا على منع الآخر من التحول إلى مركز قوة يصعب احتواؤه.

ولا يبدو أن مناوي غافل عن هذه الحقيقة. فمن بقي سنوات طويلة في قلب الصراع السوداني يدرك أن التحالفات في هذا البلد لا تُبنى على العواطف، وإنما على موازين المصالح. لذلك يسعى كل طرف إلى تعزيز أوراقه، سواء عبر النفوذ العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، استعدادًا لليوم الذي تُعاد فيه صياغة السلطة من جديد.

وخلال حديث جمعني مؤخرًا بأحد الأشخاص القريبين من دوائر الحركة الإسلامية بحكم نشاطه التجاري، استوقفتني عبارة قال إنها تعكس وجهة نظر متداولة داخل تلك الأوساط. ومفادها أن الأولوية، من وجهة نظرهم، ليست توسيع نفوذ الحركات المسلحة، وإنما إعادة ترتيب موازين القوة داخل المؤسسة العسكرية، بما يمنع نشوء مراكز نفوذ موازية قد يصعب التعامل معها مستقبلًا. وبغض النظر عن مدى دقة هذا الطرح، فإنه يعكس حجم القلق الذي يحيط بمستقبل التحالفات الحالية.

السؤال الحقيقي ليس: هل هناك خلاف بين مناوي والإسلاميين؟ بل: إلى أي مدى يستطيع هذا التحالف أن يصمد إذا تغيرت موازين الحرب؟ فالتاريخ السوداني يقول إن التحالفات التي تنشأ تحت ضغط المعارك كثيرًا ما تتفكك عند أول اختبار سياسي.

لهذا أعتقد أن مناوي سيظل حاضرًا في المعادلة، ليس لأنه الأقوى وحده، وإنما لأن إخراجه من المشهد ليس قرارًا سهلًا. كما أن الحركة الإسلامية، مهما بلغ نفوذها، تدرك أن إدارة التوازنات أكثر فائدة من كسرها في هذه المرحلة.

في النهاية، تبدو العلاقة بين الطرفين أقرب إلى هدنة اضطرارية منها إلى تحالف استراتيجي. كل طرف يحتاج إلى الآخر بقدر ما يخشاه، وكل طرف يراقب خطوات الآخر بقدر ما ينسق معه. وبين الحاجة والريبة، وبين المصالح والحسابات، تستمر اللعبة السياسية في السودان، بينما يبقى المواطن هو الطرف الوحيد الذي لا يملك ترف الانتظار، ولا نصيب له من كل هذه الصراعات سوى المزيد من الأزمات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.