حين سبق إضراب الكرامة حرب (الكرامة) (٢ – ٣)

سامي الباقر

كلمة و”غطايتا”

انتقال ملف المعلمين إلى القصر الجمهوري.
لم يكن اتساع إضراب الكرامة في مطلع عام ٢٠٢٣م حدثاً عابراً، بل كان لحظة أثبت فيها المعلمون السودانيون أن العمل النقابي المنظم قادر على تحويل قضية مهنية إلى قضية دول، فلم تصل مطالب المعلمين إلى القصر الجمهوري لأن السلطة أرادت ذلك، وإنما لأن المعلمين فرضوا قضيتهم بوحدة صفهم، ووضوح مطالبهم، وإدارة معركتهم بوعي ومسؤولية.
بدأت القصة بمذكرة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٢م، ثم تواصلت عبر الحوار مع مؤسسات الدولة، وصولاً إلى اللقاء مع وزارة المالية الذي انتهى دون نتائج، بعد عدم الوصول إلى اتفاق حول المطالب الأساسية، وفي مقدمتها رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم.
ومع اتساع الإضراب في معظم ولايات السودان، وما ترتب عليه من تعطّل واسع للعملية التعليمية، برزت مبادرة وطنية قادها الشيخ الريح أزرق طيبة وعدد من المهتمين بالشأن العام، سعياً لفتح باب للحوار.
وفي ٢٢ يناير ٢٠٢٣م، التقت لجنة المعلمين السودانيين بالشيخ الريح أزرق طيبة، وانتهى الاجتماع إلى الاتفاق على نقل الملف إلى مجلس السيادة، باعتباره الجهة القادرة على جمع المؤسسات المختصة وتحويل الحوار إلى قرارات قابلة للتنفيذ.
وبالفعل، عُقد الاجتماع الحاسم بالقصر الجمهوري يوم الأربعاء ٢٥ يناير ٢٠٢٣م، برئاسة الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن العطا، عضو مجلس السيادة، وبحضور الشيخ الريح أزرق طيبة، ووفد لجنة المعلمين السودانيين الذي ضم الأستاذ ياسين حسن عبد الكريم، والأستاذ محمد حامد بندق، والأستاذ حمدان حامد بولاد، وشخصي.
دخلنا القصر لا نحمل شعارات، وإنما ملفاً متكاملاً، يوضح كيف بدأت القضية، ولماذا لجأ المعلمون إلى الإضراب بعد أن استنفدوا كل وسائل الحوار.
واستعرضنا ما دار في لقاءات وزارة المالية، وأكدنا أن مطالب المعلمين ليست امتيازات، وإنما حقوق تكفل استقرار التعليم وكرامة من يحمل رسالته.
أبدى المجتمعون تفهماً واضحاً لعدالة المطالب، واتفق الجميع على أن أزمة التعليم لا يمكن معالجتها دون إنصاف المعلم.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التفاهم، بل انتهى الاجتماع إلى مصفوفة عمل تضمنت زيادة الإنفاق على التعليم، وصرف متأخرات الرواتب، والبديل النقدي، وبدل اللبس، ومعالجة فروقات الاستحقاقات، وتشكيل لجنة عليا لمتابعة التنفيذ، بينما أُرجئ الحسم في زيادة الحد الأدنى للأجور لمزيد من النقاش.
وفي ٢٩ يناير ٢٠٢٣م، صدر قرار مجلس السيادة الانتقالي رقم (٣) لسنة ٢٠٢٣م بتشكيل لجنة متابعة استحقاقات المعلمين برئاسة الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن العطا، وعضوية وكيل وزارة المالية، ووكيل وزارة التربية والتعليم، إلى جانب ممثلي لجنة المعلمين السودانيين: الأستاذ ياسين حسن عبد الكريم، والأستاذ محمد حامد بندق، والأستاذ سامي الباقر محمد.
وكانت لهذه الخطوة دلالة كبيرة؛ فالوفد الذي حمل مطالب المعلمين إلى القصر أصبح جزءاً من الآلية الرسمية التي تتابع تنفيذها. وهكذا انتقلت لجنة المعلمين من موقع المطالبة إلى موقع الشراكة في المتابعة والرقابة، في سابقة أكدت الثقة في مهنيتها وقدرتها على إدارة التفاوض.
وفي الاجتماعات التالية، لم يعد الحديث عاماً، بل جرى تفصيل كل مطلب، وتحديد الجهة المختصة بتنفيذه، بمشاركة وزارة المالية، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الحكم الاتحادي، وديوان شؤون الخدمة، وولاية الخرطوم، حتى تصبح القرارات قابلة للتنفيذ لا مجرد وعود.
وقد أسفر هذا المسار عن مكاسب مهمة، شملت صرف متأخرات الرواتب، والبديل النقدي، وبدل اللبس، ورفع علاوة طبيعة العمل، ومعالجة قضية معاش المعلم (معاش المثل).
فقد كان المعلمون يعانون من وضع استثنائي في المعاش؛ إذ كان المعلم الذي يصل إلى الدرجة الأولى عند نهاية خدمته يُحال إلى المعاش بدرجة أدنى من الدرجة التي بلغها، وفق ترتيبات ارتبطت بنظام الكادر المفتوح والترقي بالقيد الزمني.
وبعد سنوات من المطالبة، نجحت الجهود النقابية في انتزاع قرار يقضي بأن يُحال المعلم إلى المعاش بالدرجة التي وصل إليها فعلياً في الخدمة، حتى إذا كانت الدرجة الأولى، وهو ما عُرف بـ( معاش المثل) ، وتم تنفيذ هذا القرار ليصبح إنصافاً مستحقاً لفئة ظلت تقدم خدمة التعليم لعقود.
كما تمت معالجة استثناء المعلمين من بعض مزايا الدرجة الأولى في الخدمة المدنية، ومنها تذاكر السفر، حيث أكدت اللجنة أن المنشورات القومية للخدمة المدنية يجب أن تطبق على جميع العاملين دون تمييز.
ومن أبرز المكاسب أيضاً إقرار علاوة خاصة لمديري المدارس ووكلائها لأول مرة، ولم يكن ذلك مجرد استحقاق مالي، بل خطوة لإعادة الاعتبار للدور الإداري داخل المدرسة، وتقليل اعتماد الإدارات المدرسية على الرسوم المفروضة على الطلاب لتغطية احتياجاتها، بما ينسجم مع مبدأ مجانية التعليم ويحد من مواطن تضارب المصالح.
أما الملفان اللذان بقيا محل خلاف، فكانا رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم. وخلال الاجتماعات، بدا أن وزارة المالية، بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم، لم تُبدِ الاستعداد الكافي للمضي في هذين الملفين، وظلت تتمسك بالتأجيل وإعادة الدراسة، بينما كانت لجنة المعلمين ترى أن هذين المطلبين يمثلان جوهر القضية ولا يحتملان التأخير.
ورغم ذلك، لم تتعامل لجنة المعلمين مع الإضراب باعتباره غاية، وإنما باعتباره وسيلة نقابية مشروعة، وبعد تنفيذ جانب معتبر من الاستحقاقات، اتخذت قراراً بتعليق الإضراب، ومنح الدولة فرصة لاستكمال تنفيذ ما تبقى، مع التأكيد أن المطلبين الرئيسيين لم يسقطا، وإنما أُرجئ الحسم فيهما إلى جولة جديدة بعد شهر رمضان.
لكن تلك الجولة لم تأتِ.
ففي ١٥ أبريل ٢٠٢٣م اندلعت الحرب، فتوقفت اجتماعات اللجنة، وانقطع مسار تفاوضي كان قد حقق مكاسب حقيقية، وكان مرشحاً لاستكمال ما تبقى من مطالب.
لم تنتقل قضية المعلمين إلى القصر الجمهوري لأن السلطة أرادت ذلك، وإنما لأن المعلمين أرادوا أن تُسمع أصواتهم، فنظموا صفوفهم، ووحدوا مطالبهم، واستنفدوا وسائل الحوار، ثم استخدموا الإضراب باعتباره حقاً نقابياً مشروعاً. وعندما فرضت القضية نفسها على أجندة الدولة، لم يكن ذلك منحة من أحد، بل ثمرة لعمل نقابي مستقل أحسن تنظيم معركته، وأدار التفاوض بوعي، وتمسك بالحقوق دون مساومة.
لقد أثبتت لجنة المعلمين السودانيين أن النقابة الحقيقية لا تُقاس بحدة خطابها، وإنما بقدرتها على صناعة الحدث، وبناء ميزان قوة مشروع، وإعداد ملفها بإحكام، وإدارة الحوار والتفاوض بكفاءة، ثم تحويل المطالب إلى قرارات ومتابعة تنفيذها.
ولم يكن انتقال الملف إلى القصر الجمهوري نهاية المعركة، بل بداية مرحلة جديدة أصبح فيها ممثلو المعلمين شركاء في متابعة التنفيذ، بعد أن انتقلوا من موقع المطالبة إلى موقع الرقابة على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وخلال هذا المسار تحققت مكاسب مهمة، ولم يبق محل خلاف إلا مطلبان: رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم. وقبل أن تُستكمل الجولة الأخيرة من التفاوض، اندلعت حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، فقطعت الطريق على مسار تفاوضي كان يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ العمل النقابي السوداني، قوامها الاستقلال، ووحدة القواعد، والحوار المسؤول، والالتزام بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
ولعل هذا هو الدرس الأهم:
أن النقابات لا تُمنح مكانتها، بل تنتزعها بقدرتها على التنظيم، ووحدة صفوفها، ووضوح رؤيتها، وحسن إدارتها لمعركتها.
وما صنعته لجنة المعلمين السودانيين في تلك الأشهر لم يكن مجرد دفاع عن حقوق المعلمين، بل كان محاولة جادة لتأسيس نموذج نقابي سوداني مستقل، يصنع الحدث، ويفرض قضاياه على أجندة الدولة، ويؤمن بأن الحقوق تُنتزع بالفعل المنظم، لا بالانتظار ولا بالاستجداء.
في المقال الأخير:
الحرب… كيف أوقفت مساراً تفاوضياً كان يوشك أن يغيّر واقع المعلمين؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.