بيان الكيميائي الأخير… واشنطن تُحكم الطوق على سلطة بورتسودان وتغلق أبواب الإفلات

طارق خاطر

لم يكن الرد الأمريكي الأخير على تعقيب وزارة خارجية سلطة بورتسودان مجرد تبادل للبيانات الدبلوماسية، وإنما حمل رسالة سياسية وقانونية تتجاوز قضية الأسلحة الكيميائية نفسها. فاللغة التي استخدمتها وزارة الخارجية الأمريكية تكشف أن واشنطن لم تعد تتعامل مع القضية باعتبارها خلافا بين روايتين متناقضتين، وإنما بوصفها ملفا حُسم داخل مؤسساتها، وأن المرحلة التالية أصبحت إلزام سلطة بورتسودان بتحمل تبعات ذلك سياسيا وقانونيا.

فعادة ما تكتفي الدول الكبرى، عند وجود خلاف حول الوقائع، بالمطالبة بتحقيق مستقل أو التعبير عن القلق. غير أن البيان الأمريكي تجاوز هذه المرحلة عندما أعلن أن الولايات المتحدة خلصت إلى أن البرهان وكتائبه الجهادية استخدموا أسلحة كيميائية، وأن حكومته رفضت الاعتراف بذلك، ولم تتخذ أي إجراءات للامتثال لالتزاماتها الدولية، كما أكد أن اللجنة التي شكّلتها السلطة لا يمكن أن تكون بديلا عن آليات التحقق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وبهذه الصياغة، تكون واشنطن قد أغلقت الباب نهائيا أمام أي محاولة لتحويل القضية إلى مجرد سجال سياسي أو إعلامي.

والأكثر دلالة أن الخارجية الأمريكية لم تكتف بإعلان العقوبات، وإنما نزعت أيضا المشروعية عن آلية التحقيق التي أعلنتها سلطة بورتسودان، معتبرة أن أي تحقيق وطني لا يكتسب قيمة ما لم يخضع لمعايير وآليات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تعني أن المجتمع الدولي، أو على الأقل الولايات المتحدة، لن يعترف بأي رواية تصوغها السلطة منفردة، وأن المرجعية الوحيدة المقبولة ستكون المؤسسات الدولية المستقلة.

وفي المقابل، جاء رد خارجية بورتسودان تقليديا؛ إذ اكتفى بنفي الاتهامات ووصفها بأنها ادعاءات سياسية تستهدف تشويه صورة السودان، مع التأكيد على الالتزام بالاتفاقيات الدولية. غير أن هذا الرد لم يقترب من جوهر ما ورد في البيان الأمريكي، فلم يبد استعدادا لقبول تحقيق دولي مستقل، ولم يطرح آلية يمكن أن تمنح المجتمع الدولي الثقة في نتائجها، الأمر الذي وسّع الفجوة بين الموقفين بدلا من تضييقها.

لكن قراءة أوسع للمشهد تكشف أن قضية الأسلحة الكيميائية ليست سوى حلقة في مسار أمريكي متصاعد تجاه سلطة بورتسودان. فمنذ أشهر تتراكم مؤشرات الضغط الدولي؛ بدءا بالعقوبات الفردية، مرورا بالاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، ثم الضغوط الخاصة بالممرات الإنسانية، وصولا إلى ملف الأسلحة الكيميائية، وهو من أخطر الملفات في القانون الدولي، لارتباطه باتفاقية تعد من أكثر الاتفاقيات الدولية صرامة، ويترتب على انتهاكها إدخال الدولة المعنية في دائرة طويلة من الرقابة والضغوط والعزلة.

وفي الأوساط الدبلوماسية الغربية، يتزايد الانطباع بأن واشنطن لم تعد تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية عسكرية فحسب، وإنما من منظور إعادة تشكيل النظام السياسي في مرحلة ما بعد الحرب. ولذلك تبدو أدوات الضغط الحالية جزءا من عملية أوسع تهدف إلى تضييق هامش المناورة أمام النخبة الحاكمة في بورتسودان، ودفعها نحو مسار سياسي لن يكون في وسعها الإفلات منه.

وهنا تبرز نقطة جوهرية تكررت في تجارب نزاعات عديدة. فالولايات المتحدة، عندما تبدأ في بناء ملفات قانونية مرتبطة بجرائم أو انتهاكات دولية، لا تستخدمها فقط لتبرير العقوبات، وإنما تتحول تلك الملفات لاحقا إلى أوراق تفاوضية تحدد شكل المشاركة في أي ترتيبات انتقالية. وبعبارة أخرى، فإن الأطراف التي تتراكم عليها مثل هذه الملفات لا تدخل العملية السياسية من موقع الشريك المتكافئ، وإنما من موقع الطرف المطالب بتقديم التنازلات، والخاضع لشروط المجتمع الدولي.

ومن هذا المنظور يمكن فهم الإصرار الأمريكي على التحقق الدولي، ورفض الاكتفاء باللجان الوطنية. فالمسألة لم تعد تتعلق بإثبات واقعة بعينها، وإنما ببناء مرجعية قانونية وسياسية ستظل حاضرة في أي مفاوضات مقبلة، سواء تعلقت بوقف الحرب، أو بتشكيل سلطة انتقالية، أو بإعادة دمج السودان في المجتمع الدولي.

وتشير تجارب دول أخرى إلى أن مثل هذه الملفات نادرا ما تُغلق بمجرد صدور بيانات النفي. ففي حالات عديدة استمرت الضغوط سنوات طويلة، قبل أن تتحول إلى جزء من شروط التسوية السياسية نفسها، وهو ما يمنح البيان الأمريكي الأخير وزنا يتجاوز توقيته الراهن، ويجعله أقرب إلى إعلان عن مرحلة جديدة في التعاطي الأمريكي مع سلطة بورتسودان.

لهذا، فإن ما جرى بين الخارجية الأمريكية وخارجية سلطة بورتسودان لا يبدو مجرد سجال دبلوماسي عابر، وإنما يمثل مؤشرا على أن واشنطن انتقلت من مرحلة التحذير إلى مرحلة تثبيت الوقائع التي ستبني عليها سياساتها المقبلة. وإذا استمر هذا المسار، فإن الضغوط لن تتوقف عند حدود العقوبات، وإنما ستنعكس على شكل الاعتراف الدولي، وعلى حدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به القيادات الحالية في أي عملية سياسية مستقبلية.

وبعبارة أكثر وضوحا، فإن الرسالة الأمريكية لا تقتصر على رفض رواية سلطة بورتسودان، بل تتجاوز ذلك إلى رسم حدود المستقبل السياسي لقيادتها. فواشنطن تبدو وكأنها تبعث بإشارة مفادها أن الانخراط في أي عملية سياسية لن يكون مكافأة على إدارة الحرب، وأن تراكم ملفات الانتهاكات سيظل قيدا يطوق السلطة ويحد من فرصها في تصدر المشهد الانتقالي. وبذلك يصبح ملف الأسلحة الكيميائية ليس مجرد قضية قانونية، وإنما أداة سياسية ستظل تكبل سلطة بورتسودان، وتقلص هامش حركتها، وتحسم إلى حد بعيد سقف الدور الذي يمكن أن تلعبه في مستقبل السودان السياسي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.