ليس أخطر على السودان من الحرب نفسها، إلا الأقلام التي تُصر على تزوير أسبابها، وإعادة إنتاج الرواية التي صنعت الكارثة،وهذا ما فعله بكري المدني، عندما حاول أن يختزل واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ السودان في خطاب قبلي رخيص، متجاوزاً الحقائق السياسية والعسكرية التي يعرفها الجميع.
يا بكري المدني، عن أي خسارة تتحدث؟ ومن الذي خسر السودان حقاً؟ هل هم المواطنون الذين سُحقت حياتهم بين نيران الحرب، أم القوى التي أوصلت البلاد إلى هذا المصير ثم تحاول اليوم غسل يديها من الدماء عبر توزيع التهم على المجتمعات والقبائل؟.
إن أكبر عملية تضليل في خطابك أنك نقلت المسؤولية من صُنّاع الحرب إلى ضحاياها، بدلاً من مساءلة من خططوا، وسلحوا، وأداروا الصراع، إخترت أن تلوّح بورقة القبيلة، وكأن السودانيين ما زالوا أسرى الدعاية القديمة التي إستخدمها النظام البائد لعقود حتى يحكم قبضته على البلاد.
لقد تجاوز وعي السودانيين هذه الحيل الرخيصة، فالمجتمعات في دارفور وكردفان، كما في بقية أقاليم السودان، أصبحت تدرك جيداً كيف أستُخدمت الإنقسامات الإجتماعية لخدمة مشاريع السلطة المركزية،ولم يعد ممكناً إقناع الناس بأن المشكلة تكمن في القبائل، بينما يعرف الجميع أين صُنعت القرارات، وأين وُضعت الخطط، ومن الذي أشعل الحرب خدمةً لأطماع سياسية.
الحقيقة التي تحاول انت و أسيادم تجاهلها هي: أن قوات الدعم السريع لم تظهر من العدم، ولم تنشأ بقرار من قبيلة أو إقليم، وإنما أنشأتها الدولة السودانية نفسها، وأُطّرت بقوانين أقرها البرلمان، وكانت جزءاً من المنظومة الأمنية والعسكرية الرسمية، ومن يريد كتابة التاريخ بأمانة، فعليه أن يبدأ من هذه الحقيقة، لا أن يقفز فوقها ليحمّل المجتمعات وزر قرارات الدولة،اما حديثك عن “أرض القتل”، فهو خطاب يختزل المأساة السودانية في منطق الإستعراض العسكري، وكأن الدم السوداني مجرد أرقام في معادلة سياسية.
الحقيقة أن كل رصاصة أطلقت في هذه الحرب أصابت مستقبل السودان قبل أن تصيب أي طرف في الميدان، فلا وجود لإنتصار في وطن تُدمر مدنه بالكيماوي المُميت، ويُهجّر شعبه، وتُحرق موارده.
الحرب لم تنفجر لأن السودانيين أرادوها، بل لأن فلول النظام البائد رفضوا التسليم بإرادة التغيير، وسعوا إلى إستعادة السلطة بالقوة بعد أن لفظتهم ثورة ديسمبر، فكانت النتيجة حرباً دفعت ثمنها ملايين الأسر، بينما لا يزال البعض يحاول تبرئة المسؤولين الحقيقيين بإلقاء اللوم على مكونات المجتمع.
أخطر ما يقدمه خطابك ليس خطأً في التحليل فحسب، بل محاولة لإحياء خطاب الكراهية، وإعادة تقسيم السودانيين إلى معسكرات قبلية وجهوية، وهي الوصفة نفسها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم.،لكن هذه المرة، لن تنجح، لأن الوعي الشعبي أصبح أكثر قدرة على تمييز من يصنع الفتنة ممن يسعى إلى إيقافها.
السودان لن يُبنى بخطابات التحريض، ولا بتزوير الوقائع، ولا بتبرئة من صنعوا المأساة، سيُبنى بالعدالة، والمحاسبة، والمواطنة المتساوية، والإعتراف بالمسؤوليات كما هي، لا كما تريدها الأبواق الإعلامية.
لقد سقطت الأقنعة، ولم يعد ممكناً خداع السودانيين بالروايات القديمة.،وسيأتي يوم يقف فيه كل من حرّض على الحرب، أو برّرها، أو زيّف أسبابها، أمام محكمة التاريخ، ثم أمام دولة قانون لا تفرّق بين صاحب بندقية وصاحب قلم إذا إشتركا في صناعة المأساة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.