هل سألت نفسك يوما لماذا يصل أشخاص محدودو الكفاءة إلى المناصب القيادية، بينما يبقى أصحاب الخبرة والمعرفة في الظل؟
ولماذا أصبح عدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي أهم من قيمة الأفكار نفسها؟
ولماذا يعلو صوت من يجيدون إثارة الجدل، بينما يخفت صوت أهل الحكمة والعلماء والمفكرين وأصحاب الرأي العميق؟
هل سألت نفسك لماذا تكافئ المؤسسات من يلتزم بالتعليمات دون نقاش، أكثر مما تكافئ من يفكر ويبدع ويقترح حلولا جديدة أو يفكر خارج الصندوق؟
ولماذا لم يعد النجاح مرتبطا بالكفاءة وحدها، بل بالقدرة على التكيف مع نظام يفضل الطاعة على الاستقلال، والصورة على الجوهر، والسطحية على العمق؟
هذه الأسئلة ليست مجرد انطباعات شخصية، بل أزمة حقيقية تعاني منها بعض الدول، لدرجة أنها أصبحت عبئا على العالم وعلى شعوبها التي حرمها قادة التفاهة من الحياة الكريمة التي تستحقها.
هذه الأسئلة أجاب عنها الفيلسوف الكندي “آلان دونو” في كتابه “نظام التفاهة”، الذي قدم خلاله قراءة نقدية للمجتمع المعاصر، موضحا كيف أصبحت التفاهة، في كثير من الأحيان، معيارا غير معلن للنجاح، وكيف تحولت إلى نظام يؤثر في التعليم والإعلام والسياسة والاقتصاد، حتى أصبح الإنسان مطالبا بالتكيف معه إذا أراد أن يصعد السلم المهني والاجتماعي.
كتاب “نظام التفاهة” لم يتحدث عن التفاهة بوصفها سلوكا فرديا يحكمه الجهل أو قلة الذكاء أو محدودية الثقافة أو سوء التربية، بل باعتبارها نظاما متكاملا أصبح يؤثر في مؤسسات الدولة الحديثة وطرق عملها.
ويقصد المؤلف بالتافهين أولئك الذين ينسجمون مع هذا النظام، فيفضلون السير مع التيار، وتجنب النقد، وتنفيذ المطلوب منهم دون تفكير مستقل أو إبداع، لأن هذا السلوك أصبح في كثير من الأحيان الطريق الأسهل للنجاح والترقي.
كما يشير إلى أن هذا النظام قد يمنح قيمة ومكانة لأشخاص لا يمتلكون بالضرورة الكفاءة أو القدرة على الإسهام الحقيقي، فيصبح الظهور والتكيف مع قواعد المنظومة أهم من الإنجاز والمعرفة والتغيير.
ونتيجة لذلك، تتراجع مكانة أصحاب الكفاءة والفكر النقدي، وتتحول بعض المؤسسات من أدوات لخدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة إلى بيئات تكافئ السطحية والامتثال أكثر مما تكافئ الإبداع والمسؤولية.
يرى دونو أن بعض المجتمعات اليوم لم تعد تمنح الأفضلية دائما للأكثر علما أو كفاءة، بل أصبحت تكافئ الأشخاص الذين يتقنون التكيف مع قواعد المؤسسات، مهما كانت هذه القواعد سطحية أو ظالمة.
فالموظف الذي لا يعترض، والمدير الذي لا يغامر، والسياسي الذي يجيد الخطابات أكثر من صناعة الحلول، والإعلامي الذي يبحث عن الإثارة بدل الحقيقة، جميعهم يجدون فرصا أكبر للنجاح من أصحاب الرأي المستقل أو الفكر النقدي.
ومن أكثر المجالات التي يركز عليها الكاتب التعليم.
فالجامعة، التي كان يفترض أن تكون فضاء للبحث الحر وإنتاج المعرفة، أصبحت في كثير من الأحيان مؤسسة تهدف إلى تخريج موظفين يناسبون سوق العمل أكثر من تخريج مفكرين قادرين على تغيير المجتمع.
وأصبحت الشهادة أهم من المعرفة، والنجاح الأكاديمي يقاس بالأرقام والنتائج السريعة، لا بقدرة الطالب على التفكير أو الإبداع.
أما الإعلام، فيرى المؤلف أنه أصبح شريكا في صناعة التفاهة.
فبدلا من أن يمنح المساحة للعلماء والمفكرين، أصبح يسلط الضوء على الشخصيات المثيرة للجدل، والأخبار السريعة، والمحتوى الذي يجذب أكبر عدد من المشاهدات.
وهكذا تتحول الشهرة إلى معيار للقيمة، حتى لو كان صاحبها يقدم معلومات سطحية أو غير دقيقة، أو حتى تافهة بالمعنى الحرفي للكلمة.
ويركز الكاتب ملاحظاته على السياسة، ويرى أن كثيرا من القادة السياسيين لم يعودوا يقدمون رؤى عميقة أو حلولا بعيدة المدى، وغير مهتمين بتنمية المجتمع وتطويره وتحقيق تطلعات الشعوب، بل يركزون على ما يجذب الجمهور في اللحظة الراهنة.
وتصبح القدرة على التسويق وإدارة الصورة الإعلامية أهم من امتلاك مشروع حقيقي للإصلاح.
ولا يختلف الأمر كثيرا في عالم الاقتصاد، حيث أصبحت الشركات تبحث غالبا عن الموظف المطيع الذي ينفذ التعليمات دون اعتراض، أكثر من بحثها عن الشخص المبدع الذي قد يطرح أسئلة صعبة أو يقترح تغييرات جذرية.
وبذلك تتحول المؤسسات تدريجيا إلى بيئات تشجع الامتثال أكثر مما تشجع الابتكار.
وأخطر ما في هذا النظام أنه لا يفرض نفسه بالقوة، بل يجعل الناس يعتادون عليه تدريجيا.
فالفرد الذي يريد النجاح يشعر بأنه مضطر إلى تجنب النقد، وإخفاء أفكاره المختلفة، والتكيف مع ما هو سائد، ومجاملة مديره، حتى لا يخسر موقعه أو فرصته في الترقي.
ومع مرور الوقت يصبح هذا السلوك هو القاعدة، بينما يبدو التفكير الحر استثناء.
لكن الكاتب لا يدعو إلى اليأس، بل يدعو إلى مقاومة هذا الواقع من خلال إعادة الاعتبار للمعرفة، وتشجيع التفكير النقدي، واحترام أصحاب الكفاءة، وعدم قياس قيمة الإنسان بمنصبه أو شهرته أو عدد متابعيه.
كما يؤكد أن المجتمعات لا يمكن أن تتقدم إذا استمرت في تهميش المبدعين وأهل الكفاءة وتقديم أصحاب الخطاب السطحي.
كتاب “نظام التفاهة” يقدم لنا رسالة تتجاوز نقد المؤسسات إلى دعوة كل فرد لمراجعة نفسه.
فالتفاهة ليست مجرد صفة في بعض الأشخاص، بل قد تصبح ثقافة عامة إذا توقف الناس عن السؤال، واكتفوا بتكرار ما يسمعونه، وتفضيل السلامة على الحقيقة الموجعة، والسكوت على الكلام، والاستسلام على المقاومة.
في الحقيقة، يمكن النظر إلى السودان اليوم بوصفه نموذجا يكشف الظواهر التي ناقشها كتاب “نظام التفاهة”، إذ تطرح أزماته أسئلة مشابهة حول صعود بعض الشخصيات الأقل كفاءة، وتراجع أصحاب المعرفة والخبرة، وتأثير غياب المعايير العادلة في اختيار من يتولون مواقع المسؤولية.
ورغم أن المولف كتب عن المجتمع المعاصر بصورة عامة، الا انه، يضع أمامنا مرآة نرى فيها مظهرا مهما من مظاهر أزماتنا، ويساعدنا على فهم أسبابها وطرق مواجهتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.