الإخوان بلا رحمة..

نورا عثمان

 

أين الضمير الإنساني من حرب السودان؟ الآلاف تحاصرهم مياه الأمطار والآلاف لا يجدون ما يسد به رمق الحياة

بين هدير المدافع وصخب البيانات العسكرية، تتوارى مأساة إنسانية تتفاقم يومًا بعد آخر في السودان. آلاف الأسر أصبحت محاصرة بمياه الأمطار والسيول في معسكرات النزوح، بينما يقف آلاف آخرون في طوابير طويلة بحثًا عن لقمة تسد الجوع أو جرعة دواء تنقذ حياة مريض، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي يعيشها المدنيون منذ اندلاع الحرب.

ولم تعد معاناة السودانيين مقتصرة على ويلات القتال والنزوح، بل امتدت إلى كارثة إنسانية مركبة؛ فالأمطار الغزيرة التي اجتاحت عددًا من الولايات أغرقت الخيام الهشة، ودمرت المأوى القليل الذي احتمى به النازحون، وحولت الطرق إلى مستنقعات تعيق وصول المساعدات الإنسانية، في وقت تتزايد فيه مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة.

وفي المقابل، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى القوى السياسية والعسكرية المتهمة بتغليب مصالحها وصراعاتها على حساب معاناة المدنيين. ويرى مراقبون أن استمرار الحرب، مع تعثر الجهود الرامية إلى تخفيف الأزمة الإنسانية، أدى إلى تفاقم أوضاع ملايين السودانيين الذين أصبحوا يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.

وتشير تقارير صادرة عن منظمات إنسانية دولية إلى أن السودان يواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم، مع تزايد الاحتياجات الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، في ظل صعوبات كبيرة تواجه عمليات الإغاثة وإيصال المساعدات إلى المتضررين.

وفي معسكرات النزوح، لا يسأل الأطفال عن أطراف الصراع، بل عن وجبة تسكت الجوع، ولا تفكر الأمهات في الحسابات السياسية، بل في كيفية حماية أبنائهن من المطر والبرد والمرض. أما كبار السن والمرضى، فينتظرون وصول دواء قد لا يأتي، بينما تستمر الحرب في استنزاف الأرواح والموارد.

وتتعالى أصوات ناشطين ومنظمات مجتمع مدني للمطالبة بإعلاء الاعتبارات الإنسانية، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، وحماية المدنيين وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو عسكرية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين الضمير الإنساني؟ وهل يمكن أن تستمر هذه المأساة بينما يواجه ملايين السودانيين خطر الجوع والمرض والتشرد؟

إن التاريخ لا يسجل فقط نتائج الحروب، بل يسجل أيضًا مواقف من امتلكوا القدرة على تخفيف المعاناة واختاروا الصمت، ومن جعلوا الإنسان آخر أولوياتهم. وفي السودان اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى أن يتقدم صوت الإنسانية على أصوات البنادق، وأن تصبح حماية المدنيين وإنقاذ الأرواح أولوية لا تحتمل التأجيل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.