الآلية الخماسية… بين تعثر الوساطة وعجز التأثير

 نورا عثمان

كلما اشتدت الحرب في السودان، عادت الآمال لتُعلق على المبادرات الإقليمية والدولية، باعتبارها المخرج الوحيد من دوامة السلاح. غير أن تعدد الوسطاء لم ينجح حتى الآن في إنتاج تسوية توقف نزيف الدم، وكان من بين أبرز تلك المحاولات ما عُرف بـ”الآلية الخماسية”، التي كان يُنظر إليها بوصفها إطاراً قادراً على تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية، قبل أن تصطدم بواقع أكثر تعقيداً من قدرة الوساطة على احتوائه.

واليوم، وبعد أشهر طويلة من الحرب، تبدو الآلية الخماسية أمام اختبار صعب؛ فالحرب مستمرة، والخلافات السياسية تتعمق، والمبادرات تتزاحم دون أن تتمكن أي منها من فرض خارطة طريق تحظى بقبول الأطراف المتصارعة.

تكمن إحدى أبرز نقاط ضعف الآلية الخماسية، وفق مراقبين، في أنها لم تمتلك أدوات إلزام حقيقية تدفع أطراف النزاع إلى تقديم تنازلات. فالوساطة، مهما بلغت قوة داعميها، تبقى رهينة استعداد المتحاربين للجلوس إلى طاولة التفاوض، وهو ما لم يتحقق بصورة مستدامة.

ويرى مختصون في فض النزاعات أن نجاح أي وساطة لا يتوقف على حيادها فحسب، وإنما على امتلاكها وسائل ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية تجعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة السلام، وهو ما لم يتوافر بالقدر الكافي في الحالة السودانية.

لم تكن الآلية الخماسية وحدها في الميدان، فقد تزامنت جهودها مع مبادرات أخرى إقليمية ودولية، الأمر الذي أدى، بحسب محللين، إلى تشتيت المسارات التفاوضية، وإتاحة الفرصة للأطراف المتحاربة للمناورة بين أكثر من منصة.

فبدلاً من توحيد جهود الوساطة، وجد السودان نفسه أمام تعدد في الرعاة، واختلاف في الأولويات، وتباين في رؤى الحل، وهو ما أضعف فرص الوصول إلى موقف دولي موحد يدفع نحو إنهاء الحرب.

من الواضح أن أطراف الصراع لا تزال تعتقد أن بإمكانها تحسين مواقعها عبر الميدان قبل التفاوض. وهذا ما جعل المبادرات السياسية تتحرك دائماً خلف التطورات العسكرية، لا أمامها.

فكل تقدم يحققه طرف على الأرض يدفعه إلى رفع سقف مطالبه، بينما تدفع الانتكاسات الطرف الآخر إلى إعادة ترتيب حساباته بدلاً من الانخراط في تسوية سياسية.

ولهذا، فإن أي مبادرة سلام، مهما كانت جديتها، ستظل تواجه صعوبة طالما بقيت حسابات الحرب هي التي تحدد مواقف المتحاربين.

من الانتقادات التي وُجهت إلى مختلف المبادرات أنها ركزت بدرجة كبيرة على أطراف القتال، بينما بقيت القوى المدنية، التي يفترض أن تمثل قطاعاً واسعاً من المجتمع السوداني، تعاني الانقسام وضعف التأثير.

ويرى مراقبون أن أي تسوية تستثني القوى المدنية أو تعجز عن توحيد رؤيتها ستواجه تحديات كبيرة في كسب الشرعية الشعبية، لأن السلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتطلب توافقاً سياسياً أوسع حول مستقبل الدولة.

كما أن التباين في مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين ألقى بظلاله على أداء الوساطات. فبينما تدعم بعض الدول مسارات تفاوض معينة، تفضل أطراف أخرى مقاربات مختلفة، الأمر الذي انعكس على قدرة الوسطاء في بناء موقف موحد.

ويؤكد خبراء في العلاقات الدولية أن الوساطة تصبح أكثر فاعلية عندما تتحدث الأطراف الخارجية بصوت واحد، وهو ما لم يتحقق بصورة كاملة في الملف السوداني.

وصف الآلية الخماسية بالفشل الكامل قد يكون حكماً متعجلاً، لأنها أسهمت في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ووفرت إطاراً للحوار في مراحل مختلفة. لكن في المقابل، فإنها لم تحقق الهدف الأساسي الذي انتظره السودانيون، وهو وقف الحرب والانتقال إلى عملية سياسية مستقرة.

فالنتائج تُقاس بما تحقق على الأرض، لا بعدد الاجتماعات والبيانات. وحتى الآن، لا تزال المعارك مستمرة، وتتفاقم الأزمة الإنسانية، بينما تتراجع فرص بناء الثقة بين الأطراف. ربما لا تكمن المشكلة في الآلية الخماسية وحدها، وإنما في البيئة السياسية والعسكرية التي تعمل داخلها. فلا توجد وساطة تستطيع فرض السلام إذا كانت أطراف الحرب ترى في استمرار القتال وسيلة لتحقيق مكاسب أكبر.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المبادرات المتنافسة، بل إلى رؤية موحدة تجمع الإرادة الوطنية مع الدعم الإقليمي والدولي، وتربط أي عملية سياسية بوقف شامل لإطلاق النار، وإجراءات لبناء الثقة، وإطلاق حوار لا يستثني أحداً.

لقد أثبتت الحرب أن الحل العسكري لم ينجح في حسم الصراع، كما أثبتت الوساطات المتعددة أن تعدد المنابر لا يصنع السلام تلقائياً. ويبقى الرهان الحقيقي على مبادرة تمتلك الإرادة، والضغط، والقدرة على جمع السودانيين حول مشروع دولة، لا مشروع انتصار طرف على آخر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.