عاد الجدل حول مستقبل الحرب في السودان إلى الواجهة بعد تصريحات للكاتب والباحث السياسي الدكتور النور حمد، اعتبر فيها أن استمرار النزاع يرتبط بتمسك قيادة الجيش السوداني برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وبالتعاون مع الحركة الإسلامية، بالخيار العسكري، بدلاً من الانخراط في تسوية سياسية شاملة.
جولات التفاوض التي استضافتها مدن عدة، من بينها جدة والمنامة وجنيف، شهدت تراجعاً من جانب قيادة الجيش عن الالتزام بمسارات التسوية، في مقابل قبول الطرف الآخر بالمبادرات المطروحة.
وقال النور حمد، في تصريحات لـ”إرم نيوز”، إن جولات التفاوض التي استضافتها مدن عدة، من بينها جدة والمنامة وجنيف، شهدت – بحسب وصفه – تراجعاً من جانب قيادة الجيش عن الالتزام بمسارات التسوية، في مقابل قبول الطرف الآخر بالمبادرات المطروحة. وأضاف أن استمرار العمليات العسكرية أدى إلى تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، مع اتساع رقعة المجاعة، وتدهور الأوضاع المعيشية، وازدياد أعداد النازحين واللاجئين. وأكد النور حمد أن إنهاء الحرب يتطلب العودة إلى طاولة المفاوضات، مشيراً إلى أن عدداً من المواقف الدولية يرى أن الصراع لن يُحسم عسكرياً.
الحرب تدخل مرحلة الاستنزاف
ويرى محللون أن الحرب، التي تجاوزت عامها الثالث، انتقلت من مرحلة السعي لتحقيق مكاسب ميدانية سريعة إلى حرب استنزاف طويلة، انعكست بصورة مباشرة على الاقتصاد والخدمات العامة والأوضاع الإنسانية. ويقول المحلل السياسي الدكتور محمد الأمين لـ”عين الحقيقة”:”كلما طال أمد الحرب، تقلصت فرص الحسم العسكري وارتفعت كلفة الصراع على المدنيين والدولة. التجارب الإقليمية تشير إلى أن النزاعات الممتدة تنتهي غالباً عبر تسويات سياسية، وليس عبر انتصار كامل لطرف على آخر.” وأضاف أن تعدد مراكز النفوذ العسكري، وتشابك المصالح الإقليمية، يجعل الوصول إلى نصر عسكري حاسم أكثر تعقيداً.
هل تراجعت فرص التفاوض؟
من جانبه، يرى الباحث في شؤون النزاعات الدكتور عبد الرحمن الطيب أن مسارات التفاوض لم تتوقف بسبب عامل واحد، وإنما نتيجة تراكم عوامل سياسية وعسكرية وانعدام الثقة بين الأطراف. وقال لـ”عين الحقيقة”:”جميع جولات التفاوض واجهت تحديات كبيرة، من بينها الخلاف حول إجراءات بناء الثقة، وترتيبات وقف إطلاق النار، وآليات مراقبة التنفيذ. لذلك فإن اختزال تعثر المفاوضات في طرف واحد لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة.” وأشار إلى أن نجاح أي مبادرة جديدة يتطلب ضمانات إقليمية ودولية أكثر فاعلية، إلى جانب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف المتحاربة.
خبراء: استمرار العمليات العسكرية أدى إلى اتساع نطاق المعاناة الإنسانية، مع تراجع الخدمات الأساسية، وتعطل الإنتاج الزراعي، وارتفاع معدلات النزوح.
الأزمة الإنسانية تتفاقم
ويجمع خبراء في الشأن الإنساني على أن استمرار العمليات العسكرية أدى إلى اتساع نطاق المعاناة الإنسانية، مع تراجع الخدمات الأساسية، وتعطل الإنتاج الزراعي، وارتفاع معدلات النزوح، وتزايد الاحتياجات الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد. وتؤكد منظمات دولية بصورة متكررة أن ملايين السودانيين يحتاجون إلى مساعدات عاجلة، فيما تواجه مناطق عدة أوضاعاً غذائية وصحية بالغة الصعوبة.
بين منطق السلاح ومنطق السياسة
ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عادل حسن أن النقاش الدائر حالياً لم يعد يتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما بمن يمتلك رؤية لإدارة الدولة بعد توقف القتال. وقال لـ”عين الحقيقة”:”إذا استمرت الأطراف في الاعتقاد بأن السلاح وحده قادر على فرض الحل، فإن الحرب قد تستمر لفترة أطول. أما إذا توافرت قناعة متبادلة باستحالة الحسم العسكري، فقد يصبح التفاوض أكثر واقعية.” وأضاف أن أي عملية سلام تحتاج إلى معالجة القضايا السياسية والأمنية والإنسانية بصورة متوازنة، مع توفير ضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
هل التسوية ممكنة؟
رغم تعثر المبادرات السابقة، يرى مراقبون أن الضغوط الإقليمية والدولية قد تتزايد خلال المرحلة المقبلة لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، خاصة مع استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية. لكن محللين يشيرون إلى أن نجاح أي مسار تفاوضي سيظل مرهوناً بتوفر إرادة سياسية لدى الأطراف المتحاربة، وقدرتها على تقديم تنازلات متبادلة، إلى جانب بناء الثقة ووقف استهداف المدنيين.
تعكس تصريحات الدكتور النور حمد رؤية ناقدة لمسار إدارة الحرب، وتسلط الضوء على الجدل المستمر بشأن أسباب تعثر جهود السلام. وفي المقابل، يرى خبراء أن الأزمة السودانية أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُفسَّر بعامل واحد، وأن إنهاء الحرب يتطلب معالجة شاملة تشمل المسار السياسي والأمني والإنساني معاً. وفي ظل استمرار القتال، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح الضغوط المحلية والدولية في إعادة الأطراف إلى التفاوض، أم يستمر الرهان على الخيار العسكري رغم الكلفة الإنسانية والاقتصادية المتزايدة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.