هيبة المعلم وحُرمة المدرسة… عندما يُشهر السلاح في ساحات التربية

حسن جعفر محجوب

تستوقفنا الواقعة المؤسفة التي ضجّت بها الأوساط التعليمية والمجتمعية في مدرسة التدريب النموذجية بنين بالحارة الثالثة بمحلية كرري، ليس فقط لبشاعة الواقعة، بل لما تحمله من دلالات خطيرة تمسّ الجسد التعليمي والمجتمعي في صميمه. أن يُقدم مسؤول سابق على التعرض لأستاذ مادة اللغة الإنجليزية بالضرب والصفع أمام زملائه وتلاميذه في وضح النهار، ثم يُتبع ذلك بتهديد السلاح الشاخص وإطلاق شتائم تحط من قدر المعلمين، فإننا لسنا أمام سلوك فردي طائش فحسب، بل أمام اعتداء صريح على هيبة الدولة وحرمة مؤسساتها.
تسبّب إشهار السلاح والتلفظ بعبارات تحقيرية داخل حرم مدرسي أثناء فسحة الطلاب في حالة عارمة من الهلع والفرار بين التلاميذ. هذا المشهد المأساوي يعد جريمة إرهاب نفسي مكتملة الأركان بحق التلاميذ، وتدميراً ملحوظاً للبيئة التعليمية التي يُفترض أن تكون الملاذ الآمن لبناء الفكر والقيم. وما يزيد الأمر سوءاً أن هذه الحادثة لم تكن معزولة، ولم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة ما لم يُوضع حد صارم لها؛ فقد سبقتها حوادث كثيرة كان آخرها واقعة الاعتداء على مديرة مدرسة الحارة الأولى، مما يكشف عن تساهل ومسافات رخوة تشجع على إهانة المؤسسات التربوية وتجريدها من وقارها.
وما يضاعف مرارة هذه الحادثة أنها تأتي لتُكتمل بها دائرة الإجحاف بحق المعلم؛ ألا يكفي أنه يقبع في أسفل السلم الراتبي بين أجهزة الدولة، ويعاني الأمرين لتوفير أبسط مقومات العيش الكريم؟ ألا يكفي أنه يعمل في بيئة رديئة وتفتقر لأدنى المقومات، وتحت ظروف بالغة القسوة والتعقيد؟ إن القبول بتأدية الواجب الوطني والرسالة السامية في ظل هذا الهوان المالي والاجتماعي والمهني كان يستوجب التكريم والمساندة، لا أن يُجازى المعلم بالصفع، والإهانة، وإشهار السلاح في وجهه أمام طلابه. فإهمال المعلم وتهميشه مادياً ومعنوياً هو الذي يفتح الباب لاستسهال الاعتداء عليه واستباحة كرامته.
يكشف تكرار هذه الانتهاكات عن فراغ تشريعي قاتل يترك المعلم في مواجهة المعتدين بلا غطاء يحميه أثناء تأدية واجبه الوطني. لم يعد كافياً التعامل مع هذه الحوادث وفق أطر القانون الجنائي التقليدي، بل أصبحت الحاجة ملحة ومصيرية لسن تشريعات وقوانين خاصة تُحصّن المعلم وتمنحه وضعاً اعتبارياً وحصانة إجرائية حاسمة. ويظل إقرار قانون خاص لحماية المهن التعليمية، يغلّظ العقوبات على أي اعتداء داخل حرم المدرسة، ويجعل من استهداف المعلم اعتداءً مباشراً على هيبة الدولة لا يسقط بالتنازلات الفردية، هو الخطوة الأولى لاستعادة الوقار للمؤسسة التعليمية وتوفير بيئة آمنة للمربين.
من هذا المنطلق، لا يُعدّ اللجوء إلى القانون خياراً ثانوياً، بل هو الفاصل الوحيد بين دولة المؤسسات وغاب الفوضى. فتكييف هذه الواقعة قانونياً ينطوي على جرائم جنائية متعددة: الاعتداء الجسدي، التهديد بالسلاح الشاخص، الإساءة والسب العلني، وإثارة الرعب في مكان عام. ولا بد للسلطات العدلية والأمنية بولاية الخرطوم أن تبرهن بشكل قاطع على أن ألقاب المناصب السابقة لا تمنح أصحابها حصانة من المساءلة، وأن حماية الموظف العام أثناء تأدية واجبه هي واجب دستوري وأخلاقي لا يقبل المساومة.
وفي هذا التوقيت الحرج، يأتي البيان الصريح الصادر عن النقابة العامة لعمال التعليم العام بالسودان ليضع النقاط على الحروف، مستنكراً هذا الاعتداء السافر ومطالباً الأجهزة العدلية بفتح بلاغ فوري ومحاكمة المعتدي دون أي حصانات. إن هذا التحرك يُمثّل خطوة مفصلية تؤكد أن حماية المعلم ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات؛ وإننا لعلى ثقة تامّة بأن النقابة ستواصل هذا المسار بثبات ولن تقف مكتوفة الأيدي حتى يُسترد حق المعلمين كاملاً غير منقوص؛ إذ إن أي تراخٍ من قِبل المؤسسات النقابية والرسمية في ردع المعتدي سيعطي ضوءاً أخضر لتكرار هذه الانتهاكات وهدم ما تبقى من وقار للعملية التعليمية.
ختاماً، يتطلب التعافي من هذه الحادثة تحركاً عاجلاً لا يقتصر على فتح البلاغات الجنائية، بل يمتد لرد الاعتبار المعنوي والرسمي للمعلم المعتدى عليه ولأسرة المدرسة، وتقديم الدعم النفسي للطلاب الذين اهتزت صورة المعلم والقدوة في أذهانهم بفضل هذا السلوك الغاشم.
إن حماية المعلم وإنصافه مادياً ومعنوياً هي حماية للمستقبل، وأي تساهل في هذه القضية هو قيادة مباشرة لنزع الهيبة عن آخر معاقل الوعي والاستقرار في المجتمع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.