لم تكن هيبة المعلم في يوم من الأيام مجرد مظهر شكلي أو سلطة عابرة، بل كانت ولا تزال المعيار الحقيقي لمدى تقدم الأمم واحترامها لعقول أبنائها. فمن صفَع معلماً فقد صفَع أمة بأكملها، ومن حاول النيل من كرامة من أسرجوا قناديل المعرفة، إنما يهدم الأساس الذي تُبنى عليه صروح الحضارات والوطنية.
في التاريخ الإنساني، وعلى مر العصور، حظي المعلم بمكانة تعلو على المناصب والألقاب. ففي أيام الدولة العثمانية، على سبيل المثال، عُرف المعلم بتقدير يجلّه السلاطين أنفسهم؛ إذ تروي التاريخ مواقف مشهودة لسلاطين كانوا يقفون إجلالاً لمعلميهم، إيماناً بأن الوظائف والدرجات العالية التي يبلغها المرء ما هي إلا ثمرة لذلك الحرف الأول الذي ترسخ في الذاكرة بفضل معلم مخلص. لقد كان “معلم الصبيان” يمتلك هيبة ووقاراً تسبقه، لأن المجتمع أدرك بالفطرة أن العلم هو النور الذي يخرج الناس من ظلمات الجهل والتيه.
واليوم، تتجسد المفارقة المؤلمة حين تتحول بعض البيئات التعليمية –التي يفترض أن تكون واحات للأمان والتربية– إلى مساحات مستباحة لمنطق القوة والسلاح. إن الاعتداء السافر الذي تعرض له أحد المعلمين في مدرسة التدريب النموذجية بمحلية كرري، من قِبل شخص يستند إلى رتبة أو صفة سابقة، يمثل جرس إنذار خطير يكشف عن تداعيات عسكرة الحياة العامة وغياب سيادة حكم القانون.
إن محاولة فرض النفوذ أو استعراض القوة داخل الحرم المدرسي ليست مجرد اعتداء على فرد، بل هي تهديد مباشر لسلامة التلاميذ، وهدم لهيبة الدولة المدنية، وتكريس لثقافة الإفلات من العقاب التي لا يدفع ثمنها سوى مستقبل الأجيال.
لولا المعلم لما تبختر أحد في وظيفته، ولما أشرقت شمس العلم في عقول الشباب. فالرتب والمناصب والشهادات العليا كلها تتواضع أمام قامة المعلم الذي أفنى عمره يبني الإنسان. ولهذا فإن احترام المعلم وهيبته ليس ترفاً فكرياً ولا خياراً قابلاً للنقاش، بل هو واجب وطني وأخلاقي يحتم على الجميع الوقوف بحزم لحمايته.
نحو دولة القانون وكرامة المعلم
إن حماية المعلم هي حماية للمجتمع بأسره، وإنفاذ القانون بحزم على كل من تسول له نفسه المساس بكرامته هو الشرط الأساسي لعودة الشارع والمجتمع إلى أصوله السقيمَة والقويمة. لا بديل عن دولة يحكمها القانون، ومدرسة يحميها القانون، ومعلم مصان الكرامة، وتلميذ ينشأ في بيئة آمنة وواثقة من مستقبلها.
التحية والتقدير والاحترام لكل معلم ومعلمة يواصلون أداء رسالتهم السامية بصبر وتفانٍ، ومتعهم الله بالصحة والعافية، لتظل راية العلم خفاقة رغم كل التحديات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.