“متاهات القرن الأفريقي: تداخل الصراعات وتشكيل المحاور الإقليمية”

هشام محمد شريف

يُعدُّ القرن الأفريقي، بتعقيداته الجيوسياسية وتشابك مصالحه، مسرحًا دائمًا لتحولاتٍ عميقةٍ تُعيد رسم خرائط التحالفات والصراعات.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز إثيوبيا والسودان كبؤرتين رئيسيتين تتشابك فيهما الأزمات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، لتُشكِّل نسيجًا معقدًا من التحديات والفرص. إنَّ فهم ما يدور في إثيوبيا من تطورات ميدانية، وعلاقتها بالحرب الدائرة في السودان، ليس مجرد تحليل لأحداث متفرقة، بل هو قراءة معمقة لتداخلات إقليمية تُحركها مصالح استراتيجية، وتُعيد تعريف مفهوم السيادة والتحالف في هذه المنطقة الحيوية.
التطورات الميدانية في إثيوبيا: جبهات متعددة وصراعات متجددة
شهدت إثيوبيا، خلال عامي 2024 و2025، استمرارًا وتصعيدًا في عدة جبهات داخلية، مما يُهدد استقرار الدولة ويُلقي بظلاله على المنطقة بأسرها.
فبعد حرب تيغراي المدمرة التي انتهت باتفاق سلام في بريتوريا عام 2022، لا تزال المنطقة تشهد توترات عميقة وصراعات على الشرعية.
ففي أكتوبر 2024، أدت الخلافات داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) إلى إقالة رئيس الإدارة المؤقتة، مما يُشير إلى أزمة شرعية متفاقمة تُعيق تنفيذ اتفاق السلام .
ورغم تعيين رئيس جديد للإدارة المؤقتة في أبريل 2025، إلا أن التوترات بين فصيل دبرصيون والحكومة الفيدرالية لا تزال مرتفعة بسبب خلافات حول تفسير وتنفيذ الاتفاق.
وفي إقليم أمهرة، استمرت الاشتباكات بين قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF) وميليشيات الفانو. ورغم تراجع حدة المعارك في أوائل عام 2025، إلا أن العنف ضد المدنيين قد ازداد، حيث تُشير التقارير إلى مقتل عشرات المدنيين في عمليات انتقامية . وتُشير بعض الاتهامات المتبادلة إلى وجود روابط محتملة بين ميليشيات الفانو وبعض قادة قوات دفاع تيغراي (TDF)، وإن لم يُقدم دليل ملموس على ذلك .
أما في أوروميا، فقد شهدت منطقة غرب شيوا تصعيدًا في الاشتباكات بين قوات الدفاع الوطني الإثيوبية وجيش تحرير أورومو (OLA). ورغم توقيع اتفاق سلام بين الحكومة الإقليمية وفصيل من جيش تحرير أورومو في ديسمبر 2024، إلا أن العنف لا يزال مستمرًا، وإن كان بمستويات أقل مما كانت عليه قبل الاتفاق .
الدور المصري في القرن الأفريقي: سد النهضة ومحاور النفوذ
تُعدُّ السياسة المصرية في القرن الأفريقي مدفوعة بشكل كبير بقضية سد النهضة الإثيوبي، الذي تعتبره القاهرة تهديدًا وجوديًا لأمنها المائي. وقد دفع هذا الهاجس مصر إلى بناء تحالفات استراتيجية في المنطقة لمواجهة النفوذ الإثيوبي.
ففي أكتوبر 2024، عُقدت قمة ثلاثية بين رؤساء مصر وإريتريا والصومال في أسمرة، لتعميق التحالف المناهض لإثيوبيا .
ويهدف هذا التحالف إلى مواجهة اتفاق إثيوبيا مع أرض الصومال بشأن الوصول إلى ميناء بحري، والذي تعتبره الصومال انتهاكًا لسيادتها .
وقد تعزز التعاون العسكري بين مصر والصومال بشكل ملحوظ منذ يناير 2024، حيث أرسلت مصر شحنات أسلحة ونشرت قوات في مقديشو، بهدف دعم الجيش الصومالي في مواجهة الإرهاب، ولكن أيضًا لتهديد إثيوبيا كما أن لمصر علاقات وثيقة مع إريتريا، التي تُشاركها القلق بشأن النفوذ الإثيوبي، خاصة بعد حرب تيغراي .
وتُشير التقارير إلى أن مصر تُقيم قاعدة عسكرية في إريتريا، مما يُعزز من قدرتها على التأثير في ديناميكيات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
الدور الإريتري: أفورقي وصراعات المنطقة
يُعرف الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بدوره المحوري في صراعات القرن الأفريقي، وعلاقاته المعقدة مع جيرانه.
فقد تحالفت إريتريا مع الحكومة الإثيوبية في حرب تيغراي (2020-2022) للقضاء على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)، التي تعتبرها تهديدًا لأمنها القومي .
ومع ذلك، فإن إريتريا ترى أن اتفاق السلام في بريتوريا قد سمح للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالبقاء، مما يُشكل خطرًا عليها، وقد حافظت على وجود عسكري في إثيوبيا حتى أوائل عام 2024 .
تُعدُّ علاقة إريتريا بمصر جزءًا من استراتيجية أوسع لمواجهة إثيوبيا، خاصة فيما يتعلق بالوصول إلى البحر الأحمر. وقد أدت التوترات بين إريتريا وإثيوبيا إلى حشد القوات على الحدود المشتركة في أكتوبر 2023، بعد تهديدات إثيوبية غير مباشرة بضم ميناء إريتري .
التقاطعات مع الحرب السودانية: نفس اللاعبين، أدوار مختلفة
إنَّ ما يُثير الدهشة في هذه المعادلة الإقليمية هو أنَّ نفس اللاعبين المتورطين في إشعال الصراعات في إثيوبيا، لهم أدوار واضحة في اشعال الحروب الدائرة في السودان.
فبينما تُدعم مصر وإريتريا والصومال حكومة بورتسودان بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تُتهم إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع .
فقد زار البرهان أسمرة والقاهرة عدة مرات في عامي 2024 و2025، لتعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق الإقليمي .
وتُشير التقارير إلى أن مصر وإريتريا والصومال تُقدم دعمًا عسكريًا ولوجستيًا للجيش السوداني .
على الجانب الآخر، تُتهم إثيوبيا بفتح حدودها لقوات الدعم السريع وتسهيل إطلاق الطائرات المسيرة من أراضيها لدعمهم . هذه الاتهامات، وإن نفتها إثيوبيا، تُشير إلى تداخل المصالح الإقليمية وتوظيف الصراعات الداخلية لخدمة أجندات أوسع.
إنَّ هذا التداخل يُظهر كيف أنَّ الصراعات في القرن الأفريقي ليست معزولة، بل هي حلقات متصلة في سلسلة واحدة، يُحركها التنافس على النفوذ والموارد.
الفرص الجيوسياسية: قراءة ذكية للمشهد
في ظل هذا المشهد المعقد، يتيح لحكومة الاخوان (حكومة بورتسودان) فرص جيوسياسية قد تُمكنها من تعزيز موقفها الإقليمي والدولي.
إنَّ الاصطفاف الحالي مع مصر وإريتريا والصومال، والذي يُشكل محورًا قويًا في مواجهة إثيوبيا، يُمكن أن يُستخدم لتعزيز كورقة ضغط عسكري واقتصادي ضد اثيوبيا، ومحاولة تطويعها في ملفات حرب الاخوان وملف سد النهضة .
إنَّ فهم ديناميكيات الصراعات الداخلية في إثيوبيا، والتوترات بين أديس أبابا وجيرانها، يُمكن أن يُقدم لحكومة الاخوان أوراقًا تفاوضية قوية في أي حوارات إقليمية أو دولية.
فالضعف الداخلي لإثيوبيا، وتعدد جبهات الصراع فيها، يُقلل من قدرتها على ممارسة ضغط كبير على السودان، ويُمكن أن يُفسح المجال أمام بورتسودان لتعزيز موقفها ومصالحها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.