سياسة «فرِّق تسد» باسم الدين، وصكوك الوطنية والكرامة والإنسانية، لم تكن مجرد أدوات سياسية عابرة في تاريخ السودان الحديث؛ بل تحولت إلى منهج لإدارة المجتمع وتفكيك مكوناته وإعادة تشكيل هويته بما يخدم مشروع السلطة.
منذ أن تسلّل الإسلام السياسي إلى الدولة والمجتمع، بدأ إنتاج ثنائية خطيرة: من معنا فهو وطني، ومن خالفنا فهو خائن؛ من يبايع مشروعنا فهو مؤمن بالوطن، ومن يرفضه فهو عدو للدين والدولة. وهكذا تحولت الوطنية إلى صكوك توزعها السلطة، وتحول الدين من مصدر للقيم والأخلاق إلى أداة للفرز السياسي والاجتماعي.
ولعل آخر تجليات هذه العقلية ما جاء في بعض الخطابات التي تتحدث عن هوية السودان وكأنها ملك حصري لمجموعة دون أخرى. ألم يعلم أصحاب هذه الخطابات أن السودان، في جوهر تكوينه التاريخي، أرض هجرات وتلاقح حضارات وثقافات وشعوب؟ وأن هويته لم تُصنع في غرفة مغلقة، وإنما تشكلت عبر قرون من التفاعل بين مكونات متعددة؟
إن محاولة تجريد السودانيين من سودانيتهم بسبب أصولهم أو مناطقهم أو انتماءاتهم القبلية ليست دفاعاً عن الهوية، وإنما اعتداء عليها.
فقه التقية… حين يصبح المبدأ السياسي قناعاً
التقية في معناها الديني العام هي إظهار خلاف ما يبطن الإنسان لدفع ضرر أو حماية النفس في ظروف استثنائية. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الفكرة إلى ممارسة سياسية دائمة، يصبح فيها إخفاء النوايا وتبديل الخطاب وسيلة للوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها.
وهنا يحق للسودانيين أن يسألوا: هل تعلم الإسلاميون السودانيون من تجارب الحركات الإسلامية الأخرى، ثم طوروا لأنفسهم نسخة سودانية من «فقه التقية السياسية»؟
السؤال لا يتعلق بالإسلام كدين، وإنما بالسياسة التي ارتدت ثوبه، ثم بدلت خطابها كلما تغيرت موازين القوة.
ولماذا بدا كيزان السودان مختلفين، في تجربتهم السياسية، عن الصورة التي يقدمها الخطاب الديني الذي رفعوه؟ ولماذا ظل سؤال الأديب السوداني الطيب صالح: «من أين أتى هؤلاء؟» حاضراً في الذاكرة السودانية؟
لأن المسألة لم تكن مجرد اختلاف سياسي؛ فقد شعر قطاع واسع من السودانيين أن منظومة الحكم تلك جاءت بعادات سياسية واجتماعية لا تشبه روح المجتمع السوداني الذي تربى، قبل السياسة والأحزاب، في أحضان الحبوبات، حيث الكرم والتسامح والتكافل وإكرام الغريب وحماية الضعيف.
ذلك المجتمع لم يكن مثالياً، لكنه كان يمتلك منظومة أخلاقية واجتماعية قادرة على حفظ تماسكه.
ثم جاءت دولة القهر.
من «من ليس معنا فهو ضدنا» إلى «فإما نحكمكم أو نقتلكم»
عندما يصبح منطق السياسة قائماً على «من ليس معنا فهو ضدنا»، فإن الفساد لا يعود مجرد انحراف فردي، بل يتحول إلى بيئة سياسية واجتماعية قابلة لإنتاج الفساد بكل أشكاله.
فساد السلطة، وفساد المال، وفساد الإدارة، وفساد الذمم، وفساد الخطاب العام، كلها تصبح ممكنة عندما تغيب الرقابة ويصبح الولاء السياسي بديلاً عن الكفاءة والقانون.
لقد جرى بناء الدولة على الولاء، لا على المواطنة؛ وعلى التمكين، لا على تكافؤ الفرص؛ وعلى تصنيف الناس، لا على مساواتهم أمام القانون.
ومن هنا يمكن فهم حرب 15 أبريل باعتبارها، في أحد أوجهها، امتداداً لتراكم طويل من الأزمات التي لم تُحل، ومن الصراعات التي جرى تأجيلها، ومن مشاريع السلطة التي تعاملت مع السودان باعتباره غنيمة سياسية لا وطناً مشتركاً.
البرهان… محاولة إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة
خرج الشعب السوداني في ثورة ديسمبر رافعاً صوته ضد دولة التمكين والقهر والفساد، وقال كلمته بوضوح.
لكن بعد سقوط رأس النظام، لم تنجح القوى السياسية والعسكرية في بناء الدولة التي حلم بها السودانيون.
ثم جاء عبد الفتاح البرهان ليقدم، بصورة مختلفة، محاولة لإعادة تركيب المشهد السياسي من بقايا المنظومات القديمة، ومن العسكريين والمدنيين والمتخاصمين والمتوافقين، في تركيبة تشبه المثل السوداني: «المتعوس وخايب الرجاء».
والسؤال هنا ليس شخص البرهان وحده، وإنما مشروع الحكم الذي يريد إنتاجه.
هل يمكن بناء دولة مدنية حقيقية من دون إرادة شعبية حقيقية؟
وهل يكفي أن يكون هناك رئيس وزراء مدني، مثل كامل إدريس، حتى تصبح الدولة مدنية؟
وهل يمكن لحوار سوداني أن يحقق السلام إذا كان ميزان القوة نفسه هو الذي يحدد من يجلس إلى الطاولة ومن يُستبعد منها؟
وهل يكفي أن يقود الحوار شخص أو لجنة، بينما القرار الحقيقي يصنع في الغرف المغلقة؟
من يرعى المشهد السوداني؟
هنا ينبغي أن يفتح السودانيون نافذة وعي جديدة، وأن يسألوا الأسئلة التي طالما تهربت منها النخب:
لمصلحة من تعمل الرباعية؟ ولمصلحة من تعمل الخماسية؟ ومن المستفيد إذا تحولت الخماسية إلى سداسية؟
لماذا يدعم طرف إقليمي هذا المعسكر، بينما يدعم طرف آخر المعسكر المقابل؟
ولماذا تتحول العلاقات السياسية والاقتصادية والزيارات المتبادلة إلى مصالح استراتيجية، بينما يُطلب من السودانيين تصديق خطاب «الحياد»؟
هل الولايات المتحدة صادقة في توجهها نحو إنهاء الحرب وبناء دولة سودانية مستقرة؟
هل مصر محايدة فعلاً في الأزمة السودانية؟
هل السعودية تنظر إلى الدم السوداني باعتباره قضية إنسانية مجردة أم باعتباره جزءاً من حساباتها الإقليمية؟
هل الإمارات تتحرك لمصلحة الشعب السوداني أم وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية؟
وماذا عن تركيا وقطر وباكستان، وعلاقاتها التاريخية أو السياسية مع تيارات إسلامية مختلفة؟
ثم يبقى السؤال الأكبر:
إذا كان العالم يضع تعريفات للإرهاب ويصنف جماعات وحركات وفق مصالحه القانونية والسياسية، فمن يملك حق تعريف الإرهاب عندما يتعلق الأمر بالسودان؟
السودان يحتاج إلى ثورة وعي
المشكلة السودانية لم تعد مشكلة جيش ضد دعم سريع فقط، ولا إسلاميين ضد مدنيين، ولا شرق ضد غرب، ولا مركز ضد هامش.
المشكلة أعمق من ذلك.
إنها أزمة دولة وأزمة مجتمع وأزمة نخبة وأزمة وعي.
فالمجتمع الذي يسمح للجشع بأن يصبح سلوكاً عادياً في السوق، ثم يرفضه عندما يمارسه السياسيون، يحتاج إلى مراجعة نفسه.
والتاجر الذي يستغل حاجة المواطن، والسمسار الذي يبتز الناس، والمسؤول الذي ينهب المال العام، والسياسي الذي يبيع المواقف، جميعهم ينتمون إلى منظومة أخلاقية واحدة، وإن اختلفت مواقعهم.
لقد أصبح الشعب السوداني، للأسف، حقلاً لتجارب النخب السياسية والعسكرية والمدنية.
كل معسكر يزعم أنه يتحدث باسم الشعب، وكل قائد يدعي امتلاك التفويض، وكل تحالف يرفع راية المصلحة الوطنية.
لكن إذا سألت أبسط سؤال:
متى فوّض الشعب هؤلاء؟ وكيف فوّضهم؟ ومن أين جاءت شرعية التفويض؟
غالباً لن تجد جواباً إلا سلطة الأمر الواقع، أو تحالفات الغرف المغلقة، أو ولاية البندقية.
وهنا تكمن الكارثة.
إلى متى يستمر مسلسل الرعب؟
لن ينتهي مسلسل الرعب السوداني بمجرد تغيير قائد، أو توقيع اتفاق، أو تشكيل حكومة، أو إنتاج تحالف جديد.
سينتهي عندما يقرر السودانيون، بوعي كامل، أن السودان ليس ملكاً للإسلاميين، ولا للعسكريين، ولا للنخب المدنية، ولا للقبائل، ولا للأحزاب، ولا للدول الإقليمية والدولية.
السودان ملك لشعبه.
وعلى هذا الشعب أن يجيب عن السؤالين اللذين تهربت منهما النخب لعقود:
من يحكم السودان؟ وكيف يحكم السودان؟
فإذا لم يقرر الشعب السوداني ذلك بإرادة حرة، وبعقد دستوري جديد، ومواطنة متساوية، ومؤسسات لا تخضع للأشخاص والأحزاب والسلاح، فسوف تتغير الوجوه، وتتبدل التحالفات، وتتغير الشعارات…
لكن الأزمة ستبقى كما هي.
لأن السودان لا يحتاج إلى حاكم جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة جديدة.
ولا يحتاج إلى وصاية جديدة، وإنما إلى وعي شعبي جديد.
ولا يحتاج إلى إعادة تدوير الذين صنعوا الأزمة، وإنما إلى مشروع وطني يقطع الطريق أمام كل من يريد أن يحكم السودان باسم الدين، أو باسم الجيش، أو باسم القبيلة، أو باسم الثورة، أو باسم الخارج.
فأزمة السودان الحقيقية ليست فقط فيمن يحكمه؛ وإنما في الطريقة التي ظل يُحكم بها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.