منذ أن أعلنت حركة الإخوان المسلمين عن نفسها كتيار سياسي في السودان، رفعت شعارات دينية صارمة، وقدمت نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للإسلام الصحيح. كان خطابها يقوم على تكفير الأفكار السياسية الحديثة، واعتبار الديمقراطية بدعة مستوردة، بل كان بعض دعاتها يرددون أن مجرد التلفظ بكلمة “الديمقراطية” خروج عن شرع الله، مستندين إلى مقولة: “كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.”
وعندما طالبت الحركة الوطنية والقوى التقدمية بمنح المرأة حق التصويت والترشح للانتخابات، وقفت الحركة الإسلامية ضد تلك المطالب، واعتبرتها مخالفة للشريعة الإسلامية. لكنها ما إن أصبحت تلك الحقوق أمرًا واقعًا حتى سارعت إلى تأسيس قطاعات نسوية داخل تنظيمها، وقدمت النساء مرشحات باسمها، ودفعتهن إلى البرلمان، ثم إلى المناصب الوزارية والتنفيذية. وهكذا، تحول ما كان بالأمس “حرامًا” إلى وسيلة للوصول إلى السلطة.
وبعد انتفاضة مارس–أبريل 1985 التي أطاحت بنظام جعفر نميري، اجتمعت القوى السياسية السودانية في أم درمان، ووقعت على ميثاق للدفاع عن الديمقراطية ومنع الانقلابات العسكرية. غير أن الجبهة الإسلامية القومية، بقيادة الدكتور حسن الترابي، رفضت التوقيع على ذلك الميثاق، في موقف أثار كثيرًا من التساؤلات آنذاك، وكشف – في نظر كثيرين – أن الديمقراطية لم تكن بالنسبة لها سوى وسيلة مؤقتة، وليست مبدأً تؤمن به.
ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى وقع انقلاب 30 يونيو 1989، الذي استولت به الحركة الإسلامية على السلطة عبر القوات المسلحة، منهية بذلك التجربة الديمقراطية الثالثة. وبذلك انتقلت من رفض الالتزام بحماية الديمقراطية إلى إسقاطها بالكامل، لتدخل البلاد في ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي، شهدت حروبًا أهلية، وانهيارًا اقتصاديًا، وعزلة دولية، وانقسام السودان، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وتفشي الفساد والمحسوبية والسطو علي المال العام .
ولم يتوقف الخطاب الإقصائي بسقوط نظامهم في ثورة ديسمبر 2018. فقد خرج عدد من قادة الحركة بتصريحات حملت رسائل تحدٍ واضحة للقوى المدنية والثورية. وكان من أبرزها تصريح القيادي أنس عمر، الذي قال: “نحن أرجل مننا في السودان ما في… والذي يريد أن يتجاوزنا لسه أمه ما ولدته.” كما ربط أمن السودان واستقراره برضا الحركة الإسلامية، في خطاب اعتبره كثيرون تعبيرًا عن عقلية الاحتكار السياسي، ورفضًا لمبدأ التداول السلمي للسلطة.
إن أخطر ما يميز تجربة الإخوان المسلمين في السودان ليس فقط التناقض بين الشعارات والممارسة، وإنما تحويل الدين إلى أداة للصراع السياسي، وإضفاء القداسة على مشروع حزبي، ثم استخدام مؤسسات الدولة لحماية ذلك المشروع. وعندما سقط حكمهم بإرادة شعبية، لم يقدموا مراجعة فكرية أو اعتذارًا سياسيًا، بل استمر خطاب المواجهة والاستقطاب، وهو ما يرى كثير من السودانيين أنه ساهم في تعميق الأزمة الوطنية.
إن التجربة السودانية تؤكد أن الديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع، وإنما تقوم على الإيمان الحقيقي بالتداول السلمي للسلطة، واحترام إرادة الشعب، والاحتكام إلى الدستور، ورفض الانقلابات والعنف السياسي. وأي مشروع يرفع شعارات الديمقراطية عندما يكون خارج السلطة، ثم ينقلب عليها عندما يصل إليها، يفقد حقه في ادعاء الدفاع عن الوطن أو الدين أو الحرية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.