منذ ١٩٥٦ لم تكن مشكلة السودان أنظمة الحكم ديمقراطية كانت أم عسكرية … بل كانت هي نظام الدولة نفسها

عمر البشاري

منذ استقلال السودان عام ١٩٥٦ ظل البلد يدور في حلقة سياسية مفرغة، تتكرر فيها المشاهد نفسها وإن اختلفت الوجوه…. وتعاقبت فيها أنظمة الحكم بين ديمقراطي مدني متعدد وعسكري استبدادي أحادي مع انتقاليات بينها وحروب أهلية مستمرة… بلا جدوى ولا عبرة أو عظة منها.
فقد جرب السودان ثلاث تجارب ديمقراطية:
• الأولى بعد الاستقلال بقيادة إسماعيل الأزهري ثم عبد الله خليل. • الثانية بعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤ بقيادة محمد أحمد المحجوب و الصادق المهدي. • الثالثة بعد انتفاضة أبريل ١٩٨٥ بقيادة الصادق المهدي.
كما عرف ثلاث فترات انتقالية:
• انتقالية أكتوبر ١٩٦٤ برئاسة سر الختم الخليفة. • انتقالية أبريل ١٩٨٥ برئاسة الجزولي دفع الله مع المجلس العسكري بقيادة سوار الذهب. • انتقالية ثورة ديسمبر ٢٠١٨ برئاسة عبد الله حمدوك بالشراكة مع قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري بقيادة البرهان وحميدتي.
وفي المقابل شهد أربعة انقلابات عسكرية كبرى:
• انقلاب الفريق إبراهيم عبود الذي استمر يحكم ٦سنوات متوالية • انقلاب جعفر نميري… الذي حكم ١٦ عاما حسوما • انقلاب عمر البشير… والذي ظل يحكم البلاد ٣٠ سنة عجاف. • انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ بقيادة البرهان وحميدتي.والذي انتهى بخلافهما السلطوي ونشوب الحرب الحالية.
كما عايش أربع حروب أهلية كبرى ومنهكة:
• الحرب الأهلية الأولى في الجنوب، التي انتهت باتفاقية أديس أبابا عام ١٩٧٢. • الحرب الثانية في الجنوب التي اندلعت عام ١٩٨٣ وانتهت باتفاقية السلام الشامل في ٢٠٠٥ ثم انفصال جنوب السودان عام ٢٠١١. • الثالثة حرب دارفور التي اندلعت عام ٢٠٠٣، ثم اتفاق جوبا للسلام مع استمرار تمرد عبد الواحد محمد نور والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، إضافة إلى جبهة النيل الأزرق. • الرابعة الحرب الحالية التي اندلعت في أبريل ٢٠٢٣، وهي بلا شك أعنف الحروب السودانية وأكثرها تدميراً، حتى أصبحت أكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم اليوم.
وعند النظر إلى هذا التاريخ يبرز نمط متكرر يكاد يكون قانوناً سياسياً.
الحروب الطويلة تستنزف الأنظمة العسكرية اقتصادياً وسياسياً، فتضعف قدرتها على الاستمرار، وتسقط تحت ضغط الشارع أو نتيجة الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
ثم تأتي حكومات مدنية تحمل آمالاً كبيرة، لكنها تدخل السلطة وسط اقتصاد منهك، ودولة ضعيفة، وجيش يحتفظ بقوته الاقتصادية ومصالحه المستقلة ونفوذه السياسي، وقوى سياسية منقسمة، بلا برامج أو ببرامج متعارضة دون حدود الاتفاق الأدنى على الثوابت الوطنية الكبرى فلا تستطيع معالجة جذور الأزمة، فتتراجع شعبيتها سريعاً، ويجد العسكريون الذريعة للعودة إلى الحكم بحجة استعادة الأمن وإنقاذ الدولة.
وهكذا يدور السودان منذ سبعين عاماً داخل الحلقة المفرغة والخبيثة نفسها: انقلاب، حرب، انتفاضة، انتقال قصير، ديمقراطية قصيرة، ثم انقلاب جديد.
غير أن تفسير هذه الدورة بإرجاعها إلى سوء أداء المدنيين أو شهوة العسكريين وحدها يظل تفسيراً ناقصاً.
فالأنظمة العسكرية، باستثناء تجربة نميري في اتفاقية أديس أبابا، غالباً ما تبحث عن شرعيتها في الحرب أكثر من السلام. فهي تتعامل مع الأمن بوصفه قضية عسكرية خالصة، وتعتقد أن القوة المسلحة وحدها كافية لحسم الصراع.
لكن الحرب، في جوهرها، عمل سياسي قبل أن تكون عملاً عسكرياً. فهي تحتاج إلى توافق وطني، وإلى تعبئة للموارد، وإلى خطاب سياسي يقنع الناس بأسبابها وأهدافها ومداها ومدتها ونهايتها المتوقعة لأنهم من يدفعون تكاليفها في نهاية المطاف ويتحملون تبعاتها.
وعندما تطول الحرب دون أفق سياسي واضح، وتتآكل الموارد، ويزداد الفقر، ويثقل الغلاء كاهل المواطنين، يبدأ التأييد الشعبي لها ولقادة المؤسسة العسكرية الحاكمة في الانحسار، وتفقد السلطة العسكرية رصيدها السياسي ومشروعية استمرارها.
فهي كثيراً ما تتعامل مع قضية الدفاع عن الدولة كرصيد مشروعية غير قابل للنفاذ، بينما الحقيقة أن هذا الرصيد يتآكل مع الزمن إذا لم يقترن بنتائج ملموسة… ليس في ميدان القتال والانتصار العسكري وحده وإنما في جانب الإدارة وشؤون الحكم وما يهم المواطن فيها من العيش الكريم وتوفر لوازم الحياة الضرورية في حدودها الأدنى.
ومن الجانب الآخر، أثبتت التجارب المدنية أنها لم تكن تملك الفكرة ولا الأهلية الأخلاقية ناهيك عن الإرادة أو القدرة أو الإجماع اللازم لإجراء الإصلاحات البنيوية التي تتطلبها الدولة السودانية، فدخلت في صراعاتها الحزبية التقليدية، وتركت الأسباب الحقيقية للأزمة دون معالجة.
وحاولت بعض الأنظمة كسر هذه الحلقة بوسائل جزئية أو تلفيقية.
فقد اعتقد نظام البشير والحركة الإسلامية أن انفصال جنوب السودان سيزيل مصدر الأزمة، باعتبار أن الجنوب هو سبب الحرب وعدم الاستقرار.
لكن انفصال الجنوب لم يحقق السلام، بل اندلعت بعده حروب جديدة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ثم انتهى الأمر بالحرب الحالية في قلب العاصمة نفسها والتي عمت معظم السودان وشردت أهله وخربت بيوتهم.
وهذا يقودنا إلى السؤال الحقيقي:
إذا لم تكن المشكلة في الديمقراطية وحدها، ولا في الحكم العسكري وحده، ولا في الجنوب، ولا في دارفور وبقية الهوامش، فما هي المشكلة إذن؟
الإجابة، في تقديري، تكمن في دولة “السودان القديم” نفسه؛ أي في الدولة التي تأسست بعد الاستقلال، وفي الإطار الدستوري والسياسي والقانوني والإداري الذي حاول إدارة مجتمع سوداني شديد التنوع بمنطق لا يعكس هذا التنوع.. ولا يراعي إدارته بما يستحق من العدالة والحكم النزيه.
لقد قامت الدولة على تصور معين للهوية، وللعلاقة بين المركز والأقاليم، ولتوزيع السلطة والثروة، ولطبيعة المواطنة.
ومع مرور الزمن أصبح هذا التصور مصدراً دائماً للصراع، لأن قطاعات واسعة من السودانيين لم تجد نفسها ممثلة فيه على قدم المساواة.
ولذلك فإن تبديل الحكومات، سواء كانت مدنية أو عسكرية، لا يؤدي في حد ذاته إلى حل الأزمة، لأن الجميع يظل يعمل داخل الإطار نفسه، مستخدماً الأدوات نفسها، ومحكوماً بالقواعد نفسها التي أنتجت الأزمة منذ البداية.
ولهذا فإن الخروج من الحلقة المفرغة لا يبدأ بالسؤال:عن من يحكم السودان ولا نوع نظام الحكم فيه ديمقراطي مدني أو استبدادي عسكري؟
بل يبدأ بالسؤال الأعمق:
ما هي الدولة التي نريد أن نحكم بها السودان؟
إن المطلوب ليس مجرد انتقال من العسكر إلى المدنيين، ولا من المدنيين إلى العسكر، وإنما الانتقال من دولة تأسست على الامتيازات التاريخية واختلال ميزان السلطة والثروة إلى دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، واللامركزية الحقيقية، والاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والإثني باعتباره مصدر قوة لا تهديداً للوحدة…. مع ضرورة التمييز الايجابي لمن تضرر من بنية الدولة القديمة من أهل الهوامش.
فإذا بقيت الدولة القديمة كما هي، فإن الوجوه ستتغير، أما الأزمة فستبقى، وستستمر الحلقة نفسها في الدوران جيلاً بعد جيل… ولو انقسم السودان إلى دويلات عديدة…تحت وهم فكرة أن الدولة كتظيم سياسي اجتماعي يقوم على التجانس والتنوع يسبب له الضعف والانهيار… كما يزعم أنصار مثلث حمدي الذين تحولوا إلى النهر والبحر حاليا.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام السودانيين: وهو ليس تغيير الحكام، ولا أنظمة الحكم ولا الانقسامات وبتر الأطراف وإنما إعادة تأسيس الدولة نفسها على عقد اجتماعي جديد يتفق عليه الجميع، لأن أزمة السودان في جوهرها هي أزمة دولة، لا أزمة أشخاص… أو أنظمة حكم.
وهذا التحدي يواجه النخب بشقيها العسكري والمدني وإذا لم ترتق بفكرها السياسي ومسؤولياتها الأخلاقية نحو أهداف بناء الأمة والدولة السودانية كما فعل قادة الهند الذين ورثوا وضعاً مشابه من حيث التعقيد والهشاشة عن ذات السلطة الاستعمارية البريطانية في تاريخ استقلال(١٩٤٧) مقارب لتاريخ استقلال السودان (١٩٥٦) ولكنهم اتبعوا سياسات رشيدة حكيمة سنها حزب المؤتمر الهندي لمعالجة مشاكل التنوع والعدالة الاجتماعية يمكن الإشارة اليها باختصار فيما يلي:
• نظام الحصص (الكوتا): تخصيص مقاعد ثابتة في التعليم والوظائف الحكومية والبرلمان للفئات المهمشة والمنبوذة تاريخياً. • تجريم التمييز الطبقي: حظر ممارسة “المنبوذية” قانونياً ودستورياً، وفرض عقوبات صارمة على التمييز على أساس الطائفة أو العرق. • إصلاح الأراضي الزراعية: تفكيك الإقطاع وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين والفقراء في الريف. • برامج التشغيل والضمان: إطلاق قانون (MGNREGA) لتأمين ١٠٠ يوم عمل مأجور سنوياً للأسر الريفية الأكثر فقراً. • دعم التشريعات الأساسية: إصدار قوانين تضمن الحق في التعليم الأساسي المجاني وتوفير الأمن الغذائي للطبقات المحتاجة. • حماية الأقليات والعلمانية: تبني سياسة علمانية تحمي حقوق الأقليات الدينية وتضمن دمجهم في المجتمع والمؤسسات.
ورغم انقسام الهند إلى باكستان والهند وبنجلاديش إلا أن هذه الدول في مجموعها وصلت اليوم إلى استقرار وتنمية وازدهار لا مقارنة بينه وما آل إليه حال السودان.
فهل اقترب أوان خروجنا من نفق الخيبات المظلم الذي ظللنا ندور حوله منذ الاستقلال إلى اليوم؟
وبتنا نفهم ضرورة مقابلة تحدي الوجود الذي يواجه حياتنا الجماعية ويهددها بالفناء والعدم بأستجابة تتناسب ومستواه أم لم نزل !؟
لست أدري.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.