خبراء لـ”عين الحقيقة”: أي سلام مستدام يحتاج إلى توافق وقطع الطريق أمام إعادة إنتاج الأزمة
في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب في السودان، لا تزال فرص التسوية السياسية تصطدم بتباينات عميقة حول شكل المرحلة المقبلة، وهوية القوى التي ستشارك في رسم مستقبل البلاد بعد توقف القتال. ويرى مراقبون أن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل تتمثل في مستقبل الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المنحل، وسط انقسام سياسي بين من يدعو إلى استبعاد القوى المرتبطة بالنظام السابق من أي ترتيبات انتقالية، ومن يرى أن أي عملية سلام تحتاج إلى مشاركة سياسية واسعة ضمن إطار القانون.
ويذهب قطاع من القوى المدنية إلى أن استمرار الرهان على الحسم العسكري، وعودة الشخصيات والكيانات المرتبطة بالنظام السابق إلى واجهة المشهد السياسي، يمثلان عاملين رئيسيين في إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود التسوية.
السلام المؤجل
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعثرت المبادرات السياسية التي قادتها أطراف إقليمية ودولية، فيما لم تتمكن أي من القوى العسكرية من تحقيق حسم نهائي على الأرض. ويرى محللون أن استمرار هذا الواقع عزز قناعة لدى كثير من الفاعلين الدوليين بأن الأزمة السودانية لن تجد مخرجاً دائماً عبر الوسائل العسكرية وحدها، وإنما من خلال عملية سياسية تتناول جذور الصراع، بما في ذلك العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية.
محلل سياسي: الرهان على القوة أطال أمد الحرب
يقول المحلل السياسي الدكتور محمد عبد الله لـ”عين الحقيقة”: “كلما طال الرهان على الحسم العسكري، ارتفعت الكلفة الإنسانية والاقتصادية. التجربة السودانية خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن أياً من الأطراف لم ينجح في فرض حل عسكري شامل، وهو ما يجعل العودة إلى التفاوض أكثر واقعية.” ويضيف أن أي عملية سلام تحتاج إلى بيئة سياسية تقلل من أسباب انعدام الثقة بين الأطراف، وتوفر ضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
الجدل حول دور الإسلاميين
يبقى موقع الإسلاميين في أي تسوية مستقبلية أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوداني. وترى قوى سياسية ومدنية أن إعادة تمكين شخصيات أو شبكات مرتبطة بالنظام السابق، حتى عبر واجهات سياسية جديدة، قد تؤدي إلى تقويض الثقة في أي اتفاق مرتقب، باعتبار أن تلك القوى ترتبط، في نظر منتقديها، بالأزمة التي سبقت الحرب. في المقابل، ترفض أطراف أخرى فكرة الإقصاء السياسي على أساس الانتماء وحده، وتؤكد أن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تستند إلى القانون والمساءلة الفردية، لا إلى العقاب الجماعي أو الاستبعاد الشامل.
خبير في التحول الديمقراطي: المطلوب هو عدم إعادة إنتاج منظومة التمكين
ويقول الباحث في شؤون التحول الديمقراطي الدكتور أحمد يوسف لـ”عين الحقيقة”: “التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بالأسماء، وإنما ببنية السلطة نفسها. إذا أعادت التسوية إنتاج شبكات النفوذ القديمة داخل مؤسسات الدولة، فإن احتمالات الاستقرار ستظل ضعيفة، حتى لو توقفت الحرب.” ويضيف أن بناء سلام مستدام يتطلب مؤسسات محايدة، وإصلاحاً أمنياً، وآليات للعدالة الانتقالية، بما يضمن عدم تكرار الأزمات.
هل يكفي استبعاد الإسلاميين؟
يرى عدد من الخبراء أن استبعاد تيار سياسي بعينه، في حد ذاته، لا يشكل ضمانة كافية لتحقيق السلام، إذا لم يصاحبه مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة. ويقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور عادل حسن لـ”عين الحقيقة”: “نجاح أي تسوية يتوقف على قدرتها على معالجة أسباب الحرب، وبناء مؤسسات تخضع للمساءلة وسيادة القانون. أما الاقتصار على تغيير الفاعلين السياسيين دون إصلاح البنية المؤسسية، فقد يعيد إنتاج الأزمة بصيغ جديدة.” ويشير إلى أن العدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة بناء الثقة بين المكونات السودانية، تمثل عناصر أساسية لأي اتفاق قابل للاستمرار.
المجتمع الدولي وضغوط إنهاء الحرب
تتزامن هذه النقاشات مع تزايد الدعوات الدولية لتخفيف المعاناة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين. ويرى مراقبون أن الضغوط الخارجية قد تدفع الأطراف إلى استئناف الحوار، لكن نجاح أي مسار تفاوضي سيظل مرتبطاً بمدى استعداد القوى السودانية لتقديم تنازلات متبادلة، ووضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الفئوية.
بين التسوية وإعادة إنتاج الأزمة
يحذر محللون من أن أي اتفاق سياسي لا يحظى بثقة قطاعات واسعة من السودانيين قد يواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ، خصوصاً إذا اعتُبر وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوى التي سبقت الحرب. وفي المقابل، فإن تسوية تقوم على مؤسسات مدنية، وسيادة القانون، والعدالة الانتقالية، وضمان عدم استخدام أجهزة الدولة لصالح أي تنظيم سياسي، قد توفر أرضية أكثر استقراراً لمرحلة ما بعد الحرب.
تقف التسوية السودانية أمام اختبار بالغ التعقيد. فبين استمرار الرهان على الخيار العسكري، وتصاعد الضغوط لإنهاء الحرب، يظل التحدي الأكبر هو بناء عملية سياسية تحظى بقدر كافٍ من الثقة والشرعية. ويرى محللون أن تحقيق سلام مستدام لن يتوقف فقط على وقف القتال، بل على معالجة جذور الأزمة، ومنع إعادة إنتاج منظومات الصراع داخل مؤسسات الدولة، وبناء نظام سياسي يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والمساءلة، بما يفتح الباب أمام انتقال مستقر ينهي دوامة الحرب ويعيد السودان إلى مسار السلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.