في الذاكرة الشعبية السودانية، تختزل مريسة تام زين قصة نادلة فقيرة كانت تعمل في احدي حانات الأحياء القديمة، حيث كانت أواخر الليل تجمع بقايا مشروب المريسة التي يتركها الزبائن في كؤوسهم، وتخزنها خفية،، ثم تبيعها بثمن بخس للمفلسين والمضطرين الذين يبحثون عن أي جرعة تُنسيهم همومهم وبأقل تكلفة. هكذا ببساطة شديدة أصبح مثل مريسة تام زين يُضرب للدلالة على القِلة، وبوار البضاعة، أو تجميع الرديء من أجل سد رمق المحتاجين. اليوم، وفي مشهد سياسي وكوميدي بامتياز، يستعيد الشارع السوداني هذا المثل ليس لوصف حانة فقيرة، بل لتوصيف مشاورات الآلية الخماسية في فنادق أديس أبابا الفاخرة، ولكن بدلا من جمع فضلات الكؤوس، يقومون بجمع فلول الأحزاب والكتل السياسية الهامشية التي تخلى عنها الشعب والتاريخ، بعد أن قاطعت القوى المدنية الوازنة وحركات الكفاح المسلح الرئيسية هذه المشاورات، ليزجّوا بها في مقاعد التفاوض وكأنها تمثل أحداً. إنهم يا سادة يلملمون فضلة السياسيين من هنا وهناك، وكأنهم يقولون للسودانيين بسخرية مقيتة ،،لا تقلقوا، لقد جمعنا لكم بقايا المواقف والأفكار المكررة من كؤوس الجلسات الفاشلة السابقة، ان هذا التجميع القسري لا يصنع حلاً، بل يُنتج بيانات إنشائية ميتة، لا تروي عطش شعب يتضور جوعاً ويلهث بحثاً عن أمان ضائع، فبعد هذا التجميع الهش، كانت النتيجة المحتومة هي البوار المدوي، فكما كانت بضاعة تام زين باردة وكاسدة لا تجد مشترياً، كذلك باتت مشاورات أديس أبابا لا تسمن ولا تغني من جوع ان المفارقة الساخرة تتمثل في أن مشروب تام زين الكاسد كان يجد في النهاية مفلسين يشترونه في ظلام الليل، أما هذه المبادرات الدولية فحتى الموقعون عليها لا يقرؤونها، والأطراف الفاعلة ترفضها قبل أن تولد، وكأن القدر كتب عليها أن تلحق ببوار صاحبتها الأصلية، بل وتتفوق عليها في الكساد السياسي والرفض الشعبي. لا تكتمل سخرية المشهد دون العودة إلى الطرف الآخر في معادلة تام زين وهو الزبائن. ففي القصة الأصلية، كانوا مفلسين ومضطرين يتسللون أواخر الليل بحثاً عن رشفة رخيصة تُنسيهم همومهم. أما في الواقع السياسي الراهن، فلا تختلف الوجوه السياسية التي تتسابق لحضور اجتماعات الخماسية عن أولئك الزبائن من حيث انهم مفلسون سياسياً و فاقدي لقواعدهم الشعبية ونفوذهم الميداني، يتشبثون بكأس فارغة ليحموا بها وجودهم الزائل، تظل مشاورات الآلية الخماسية أشبه بورشة عمل دائمة لصناعة المريسة الفاسدة، توزع الأدوار وتجمع الفضلات، ومن ثم تخرج لنا بياناً ختامياً يخلو من الروح و نبض الجماهير ، كما يخلو الكأس الفارغ من قطرة واحدة، إن ما يحدث في الخماسية هو عبارة عن إعادة إنتاج للمأساة بعينها، حيث يُباع الوهم على أنه أمل، وتصوّر الفضلات على أنها حلول. بينما يحترق السودان تحت وطأة حرب مدمرة، ويئن أهله تحت وطأة الجوع والقصف، سوف يظل لسان حال الشارع السوداني الساخر يردد بمرارة تهكمية مشاورات الخماسية لحقت مريسة تام زين….. فبينما كانت تام زين على الأقل تبيع فضلات حقيقية لأشخاص حقيقيين، فإن الخماسية تبيع لنا فضلات وهمية لأشخاص وهميين، وكأنها تقول للشعب السوداني اشربوا هذا السراب وانتظروا…. عزاؤنا الوحيد أن تام زين كانت صادقة في فقرها، أما هؤلاء فيلبسون فقرهم السياسي ثوب الميثاقية الدولية، ويبيعون لنا سراباً لا يسقي ظمأً، ولا يُطفئ نار.
(الراكوبة)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.