في السياسة، لا تكفي الدعوة إلى الحوار كي تصبح حوارًا، ولا يكفي الجلوس على كرسي السلطة حتى يتحول صاحبه إلى ممثل لإرادة الشعب. فالحوار الحقيقي لا يبدأ بإعلان يصدر من طرف يملك القوة العسكرية، وإنما من شرعية تستند إلى التفويض الشعبي والقبول الوطني، وهما أمران لا يمكن افتراض وجودهما بمجرد الأمر الواقع.
لهذا، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه كلما خرج الفريق أول عبد الفتاح البرهان متحدثًا عن “حوار سوداني شامل”: من الذي فوّض البرهان أصلًا ليدعو إلى هذا الحوار؟
إن الدعوة إلى أي عملية سياسية، في تقديري، تقتضي وجود أساس سياسي أو دستوري يمنح صاحبها الحق في جمع الفرقاء ورسم مستقبل البلاد. أما عندما تصدر الدعوة من قائد عسكري يقود سلطة محل خلاف سياسي واسع، فإنها تثير تساؤلات حول طبيعة التفويض الذي يستند إليه، وحول ما إذا كانت تهدف إلى تأسيس عملية انتقالية متوافق عليها، أم إلى إدارة المشهد من موقع القوة.
الحوار ليس منحة يمنحها الحاكم لمن يشاء، ولا امتيازًا يوزعه وفق قائمة المدعوين والمستبعدين. إنه حق للشعب السوداني بكل مكوناته، ولا يجوز أن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة أو إعادة ترتيب التحالفات السياسية تحت مظلة الأمر الواقع.
الأكثر إثارة للانتباه أن الدعوات إلى الحوار تأتي بينما لا تزال الحرب مستمرة، والبلاد تعاني واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخها الحديث. فكيف يمكن بناء عملية سياسية مستقرة بينما البنادق لا تزال تتحدث، والنازحون بالملايين، والانقسام يزداد عمقًا؟
وفي رأيي، فإن أي حوار لا ينطلق من معالجة أسباب الأزمة، ولا يضمن مشاركة قائمة على أسس متوافق عليها، ولا يوفر ضمانات للاستقلال والحياد، سيظل معرضًا لأن يُنظر إليه باعتباره محاولة لمنح السلطة القائمة غطاءً سياسيًا أكثر من كونه مدخلًا لتسوية وطنية شاملة.
كما أن الانتقائية في تحديد من يشارك ومن يُستبعد تفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول معايير هذه الدعوة. فإذا كان الحوار يهدف بالفعل إلى الوصول إلى حل وطني، فمن الذي يملك وحده حق تحديد أطرافه؟ وهل يمكن لأي طرف في النزاع أن يكون الحكم والخصم والمنظم في آن واحد؟
لقد دفعت الثورة السودانية أثمانًا باهظة من أجل أن يصبح القرار السياسي ملكًا للمواطنين، لا حكرًا على أصحاب السلاح. ولذلك فإن العودة إلى إدارة المستقبل بمنطق القوة، حتى وإن حملت عنوان “الحوار”، تعني في نظر كثيرين إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة.
السودان لا يحتاج إلى منصة جديدة للخطب السياسية، بل إلى عملية سياسية تستند إلى التوافق والشفافية، وتحظى بثقة السودانيين، وتضع إنهاء الحرب وحماية المدنيين وبناء مؤسسات الدولة في مقدمة الأولويات.
ويبقى السؤال الذي لن يختفي مهما تعددت المبادرات: هل تُبنى الشرعية بإطلاق دعوة إلى الحوار، أم أن الشرعية هي التي تمنح صاحبها حق الدعوة إليه؟
في اعتقادي، سيظل أي حوار يفتقر إلى أساس من القبول الوطني والتوافق السياسي محل جدل، لأن مستقبل السودان لا يمكن أن يرسمه طرف واحد، ولا أن تحدده موازين القوة العسكرية وحدها، بل إرادة السودانيين عندما تتاح لهم فرصة التعبير عنها في إطار سياسي جامع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.