قراءة في رؤية تطوير مشروع السوكي الزراعي (4)

طارق محمد أحمد الفكي

المسار الرابع: التصنيع الزراعي والاستثمار… من الإنتاج إلى القيمة

يمتلك مشروع السوكي الزراعي مقومات تؤهله لأن يكون أكثر من مجرد مشروع لإنتاج المحاصيل؛ فالمحصول الذي يخرج من الحقل يمكن أن يكون بداية لسلسلة اقتصادية متكاملة، تبدأ بالإنتاج ولا تنتهي عند التصنيع والتسويق والتصدير.
ومن هنا تأتي أهمية المسار الرابع في رؤية السيد المدير العام لهيئة السوكي الزراعية، الدكتور صلاح الدين شريف طمبل، الذي يضع التصنيع الزراعي والاستثمار ضمن مسارات تطوير المشروع، باعتبارهما الطريق إلى خلق قيمة مضافة حقيقية للإنتاج.
لكن السؤال الأهم: كيف تتحول الرؤية إلى مشروعات قائمة على الأرض؟
البداية بخطة استثمارية واضحة لمدة عامين، تحدد الأولويات والتكلفة والمواقع والجدول الزمني، ثم إعداد دراسات جدوى فنية واقتصادية وتحويل المشروعات إلى فرص استثمارية واضحة يمكن تقديمها للمستثمرين.
وتأتي الصناعات التحويلية في مقدمة هذه الفرص، من مصانع الزيوت والأعلاف، وتجفيف وتعبئة الخضر والفاكهة، وتصنيع منتجات الفول السوداني والذرة والمحاصيل الزيتية، إلى المحلج ومصنع الغزل والنسيج، بما يرفع قيمة الإنتاج ويقلل الفاقد.
كما يجب تطوير سلاسل القيمة عبر مراكز التجميع والفرز، والمخازن والصوامع، والنقل والتعبئة والتغليف، وربط الإنتاج بالأسواق، حتى لا يظل المزارع أسيراً لبيع محصوله خاماً.
أما التنفيذ، فيحتاج إلى جهة واضحة داخل هيئة السوكي تتولى ملف التصنيع والاستثمار، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص، مع تحديد مسؤوليات كل مشروع وميزانيته وبرنامجه الزمني ومؤشرات نجاحه.
التمويل… من أين يبدأ؟
لا ينبغي أن يعتمد التمويل على مصدر واحد؛ بل يمكن الجمع بين موازنة الدولة للمشروعات الأساسية وإعادة التأهيل، والتمويل المصرفي، والمؤسسات والصناديق التنموية، والبرامج والمنح الدولية، والشراكات والاستثمار المباشر.
وهذا النموذج ليس بعيداً عن التجربة السودانية؛ فقد موّل بنك التنمية الأفريقي سابقاً برامج مرتبطة بتطوير سلاسل القيمة الزراعية في السودان، كما أُطلق في 2026 مشروع بقيمة 87 مليون دولار لدعم صمود النظم الزراعية والغذائية في السودان.
لكن المستثمر لن يأتي لمجرد وجود الأرض. المستثمر يبحث عن مشروع واضح، وأرقام واضحة، وقواعد واضحة.
والرسالة التي يجب أن تقدمها هيئة السوكي بسيطة وقوية:

السوكي ليس أرضاً تنتظر من يزرعها، بل قاعدة إنتاج قائمة يمكن تطويرها إلى منظومة زراعية وصناعية متكاملة، تضم الإنتاج والتصنيع والتخزين والخدمات والأسواق.

ولتحويل هذه الرسالة إلى استثمار حقيقي، يجب إعداد ملفات متكاملة توضح دراسة الجدوى، وحجم التمويل، والعائد المتوقع، والمخاطر، والضمانات، وحقوق المستثمر والدولة والمشروع والمزارعين.
وفي المقابل، يجب أن تقوم الشراكات على النزاهة والشفافية، وأن تكون العقود واضحة في الحقوق والالتزامات وآليات المتابعة والمحاسبة، مع حماية المال العام وحقوق المزارعين.
وعلى هيئة السوكي والإدارات المعنية أن تجعل الشفافية والنزاهة في المال العام شعاراً ثابتاً، وأن تكون الخطط والبرامج واضحة ومعلنة، حتى يعرف الجميع ماذا سينفذ، ومن المسؤول، ومتى يبدأ، وكيف تتم المتابعة.
فالخطة الواضحة تسهّل التنفيذ، والمسؤولية المحددة تمنع التداخل، والمتابعة تكشف الخلل مبكراً، والشفافية تبني الثقه.
إن الهدف ليس إنشاء مصنع هنا أو مشروع هناك، وإنما بناء منظومة اقتصادية مترابطة: المزارع ينتج، والمصنع يصنّع، والمخازن تحفظ، والنقل ينقل، والأسواق تستوعب، والمستثمر يمول، ويستفيد المشروع والدولة والمزارع.
وعندما تتكامل هذه الحلقات، ينتقل السوكي من بيع المحصول إلى صناعة القيمة، ومن الإنتاج الموسمي إلى نشاط اقتصادي مستدام، ومن تصدير الخام إلى تصدير المنتجات وخلق فرص عمل جديدة.
فالسوكي لا يحتاج فقط إلى من يزرع أرضه، بل إلى من يستثمر في إنتاجه، ويصنّعه، ويسوّقه، ويحوّله إلى قيمة حقيقية للمزارع والمشروع والاقتصاد الوطني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.