أحيي صمود “صمود” الذي بدّد بالبيان حلم البرهان

حسن عبد الرضي

في زمنٍ صار فيه الكذب السياسي يحتاج إلى مكبّر صوت، جاءت «صمود» ببيانها الأخير هادئةً في لغتها، صلبةً في موقفها، واضحةً إلى درجةٍ تجعل مناورات الحرب والسلام تبدو كما هي: محاولة يائسة لإعادة ترتيب الكراسي فوق أنقاض وطنٍ أنهكته البنادق.
هنا تكمن قيمة البيان. فهو لم يكتفِ بأن يقول لـ«حوار الداخل» لا، وإنما سأل السؤال الذي ظلّ أصحاب مشروع الحرب يهربون منه: أي حوار يمكن أن يجري تحت دوي المدافع؟
لقد أفسدت «صمود» على البرهان مسرحيةً كان يُراد لها أن تبدو حواراً وطنياً، بينما هي في جوهرها محاولة لإنتاج شرعية سياسية جديدة لواقع صنعته الحرب. فالحوار الذي يُعقد تحت سلطة السلاح لا يكون حواراً بين مواطنين أحرار، وإنما يصبح امتداداً للمعركة بأدوات أقل ضجيجاً وأكثر خداعاً.
والأكثر جسارة أن «صمود» لم تسمح لأحد بأن يبيع للشعب السوداني الوهم القديم في ثوب جديد. قالت بوضوح إن الحل العسكري لا وجود له، وإن الطريق إلى السلام يبدأ بوقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية، لا بإقامة مؤتمر احتفالي في منطقة يسيطر عليها طرف من أطراف القتال.
وهنا تصيب «صمود» جوهر المسألة: السودان ليس ثكنةً عسكرية حتى يُختزل مستقبله في منطقة نفوذ هذا الجيش أو ذاك. ومن يحاول أن يجعل مناطق سيطرة الجيش عنواناً لـ«الحوار الوطني» إنما يخاطر بتحويل الانقسام العسكري إلى تقسيم سياسي، ثم يطلب من السودانيين أن يصفقوا للجريمة وهي ترتدي بدلة الحوار!
ولعل أشد ما في البيان إيلاماً لمشروع البرهان أنه أغلق الباب أمام إعادة تدوير الإسلاميين والمؤتمر الوطني عبر بوابة التسويات. فالجماعة التي أسقطتها ثورة ديسمبر لا يمكن أن تعود إلى الحياة السياسية بمجرد أن تغيّر لافتتها أو تستبدل خطابها. السلام ليس عملية تجميل للماضي، ولا جائزةً سياسية لمن أشعل النار ثم جاء يطلب مقعداً على مائدة إطفائها.
ثم جاءت «صمود» إلى قضية العدالة، فوضعت الإصبع على الجرح: لا عفو سياسياً عن أحد، ولا عدالة انتقائية لأحد. العدالة للجميع، والمساءلة للجميع، ومحاسبة كل من ارتكب الجرائم أو أشعل الحرب أو تكسب منها.
إن بيان «صمود» ليس مجرد موقف من دعوة إلى حوار؛ إنه بيان في معنى الدولة نفسها: هل تكون الدولة عقداً بين مواطنين أحرار، أم غنيمةً تتنازعها البنادق؟
ومن هنا تأتي جسارة «صمود». لقد قالت للبرهان، دون حاجة إلى رفع الصوت: لن تمنحك الحرب شرعيةً لا تستطيع صناديق الاقتراع أن تمنحك إياها.
ذلك هو صمود «صمود»: أن تعرف متى تقول لا، ولماذا تقولها، وأن تقولها في وجه السلاح، وفي وجه الوهم، وفي وجه من ظن أن السودان يمكن أن يُختصر في بندقية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.