البرهان: “الناس تتشايل لما ربنا يفرجها”.. والفرج سيكون سقوطك

نورا عثمان

 

حين يقول عبد الفتاح البرهان: “الناس تتشايل لما ربنا يفرجه علينا”، يبدو وكأنه يخاطب شعباً ابتُلي بقدر لا يد لأحد فيه. لكن السودانيين لا يعيشون كارثة طبيعية، ولا يواجهون زلزالاً أو فيضاناً، بل يعيشون آثار حرب دمّرت مدناً، وشرّدت ملايين المواطنين، ودفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ أزماتها في تاريخها الحديث.

اللجوء إلى العبارات التي تحيل الأزمة إلى انتظار الفرج الإلهي لا يعفي القيادة السياسية والعسكرية من مسؤوليتها عن القرارات التي أوصلت السودان إلى هذه المرحلة. فالناس لا يريدون فقط كلمات عن الصبر، بل يريدون إجابات عن أسباب استمرار الحرب، وعن تأخر الحلول، وعن مستقبل وطن أنهكته سنوات القتال.

في نظر قطاع واسع من السودانيين، فإن إدارة الأزمة منذ بدايتها اتسمت بأخطاء سياسية وعسكرية ساهمت في تعقيد المشهد، وأضاعت فرصاً كان يمكن أن تحد من اتساع رقعة الصراع. كما يذهب منتقدون للبرهان إلى أن سياساته تجاه بعض التيارات الإسلامية والقوى المسلحة أوجدت بيئة سمحت بتعاظم نفوذها خلال الحرب، وهو اتهام ظل حاضراً بقوة في الخطاب السياسي للعديد من القوى المدنية، وإن كانت أطراف أخرى ترفض هذا التوصيف أو تقدم قراءات مختلفة لطبيعة التحالفات التي فرضتها ظروف الحرب.

لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو النتيجة: ملايين النازحين واللاجئين، مدن مدمرة، اقتصاد ينهار، وخدمات أساسية تكاد تكون معدومة. هذه ليست شعارات سياسية، بل حقائق عاشها السودانيون في تفاصيل حياتهم اليومية.

ليس من الإنصاف أن يُطلب من المواطن أن “يتحمل” بينما تتسع دائرة المعاناة كل يوم. فالأم التي فقدت أبناءها، والأسرة التي هجّرت من منزلها، والطفل الذي حُرم من التعليم، لا ينتظرون خطابات الصبر، بل ينتظرون أفعالاً توقف الحرب، وتحمي المدنيين، وتعيد إليهم شيئاً من كرامتهم.

إن القيادة تُقاس بتحمل المسؤولية، لا بإلقاء العبء على الزمن أو تعليق الآمال على الفرج وحده. والإيمان لا يتعارض مع المحاسبة؛ فالرجاء في الله لا يلغي مسؤولية الإنسان عن قراراته، ولا يرفع المسؤولية السياسية والأخلاقية عن من يتولون إدارة شؤون البلاد.

وربما يكون الفرج الذي ينتظره السودانيون مختلفاً عن الفرج الذي تتحدث عنه السلطة. فالفرج الحقيقي، في نظر كثيرين، يبدأ عندما تتوقف الحرب، ويعود النازحون إلى ديارهم، وتُصان كرامة المواطنين، وتُبنى دولة تحكمها المؤسسات والقانون، ويصبح تداول السلطة ممكناً عبر الإرادة الشعبية لا عبر فوهات البنادق، وبسقوط البرهان.

أما السودان، فقد أثبت تاريخه أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تتخلى عن حقها في التغيير والمحاسبة. والسلطات، مهما امتلكت من قوة، تبقى خاضعة في النهاية لحكم التاريخ، ولإرادة شعب يبحث عن وطن يسوده السلام والعدالة، لا عن مزيد من سنوات الحرب والانتظار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.