المعلم السوداني… صفعاتٌ من عدة جبهات

حسن عبد الرضي

ليس أوجع ما يتعرض له المعلم السوداني أن يصفعه ولي أمر غاضب، أو أن يعتدي عليه طالب، أو أن يُهان داخل مدرسة يفترض أن تكون محراباً للعلم والتربية. الأوجع والأخطر أن يصبح المعلم نفسه هدفاً لصفعاتٍ صباحاً ومساءً، تأتيه من كل الجهات، وفي مقدمتها الجهات التي يفترض أن تكون حارسةً لكرامته، وحاميةً للتعليم، وصانعةً لمستقبل البلاد.
المعلم السوداني اليوم لا تصفعه فقط يد بعض أولياء الأمور، وإنما تصفعه ــ بصورة أشد قسوة ــ سياسات رئاسة مجلس السيادة المنعدمة، ورئاسة الوزراء المزعومة، وولاة الولايات، ووزارات التربية الاتحادية والولائية، وإدارات التعليم على اختلاف مستوياتها. كل هذه المؤسسات، حين تصمت عن إهانة المعلم، أو تتجاهل مطالبه، أو تتركه وحيداً في مواجهة الأزمات، فإنها لا تقف على الحياد؛ بل تشارك، بالصمت أو التقصير، في الصفعة. ولكن، للامعان في الاذلال، فإن أوجع صفعة مهينة يتلقاها المعلم، طيلة عهد الانقاذ البغيض، تأتيه من نقابات واتحادات كرتونية مصنوعة تزعم، زورا وبهتانا، انها هي وحدها من تدافع عن “كرامة” المعلم.
إن المعلم الذي يذهب إلى فصله مثقلاً بالهموم، ويقف أمام تلاميذه محاولاً أن يصنع من الخراب أملاً، لا يحتاج إلى خطبٍ رنانة عن «أهمية التعليم»، ولا إلى عبارات محفوظة عن «رسالة المعلم». إنه يحتاج إلى دولة تحترم هذه الرسالة، وأجرٍ يحفظ كرامته، وبيئة عمل آمنة، وقوانين تحميه، وإدارة تقف معه حين يُعتدى عليه، لا أن تبحث عن مبررات المعتدي أو تترك المعلم وحيداً في الميدان.
والصفعة الأخرى تأتي من إعلامٍ جبان، مرتعب، مرتشٍ بأشكاله المختلفة؛ إعلامٍ يستطيع أن يرفع صوته في قضايا هامشية، لكنه يصمت حين يُهان المعلم، ويُقتل التعليم، ويُدفع مستقبل أجيال كاملة إلى المجهول. إن الإعلام الذي لا يرى مأساة المعلم ولا ينقل صوته، يفقد واحدة من أهم وظائفه: الدفاع عن المجتمع حين يعجز أفراده عن إيصال أصواتهم.
لكن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها. كل من لا يساند قضية التعليم، وكل من يتعامل مع معاناة المعلم باعتبارها شأناً خاصاً بالمعلمين، وكل من لا يتأثر حين يُهان من يعلّم أبناءه، هو ــ بصورة أو بأخرى ــ شريك في هذه المأساة.
المعلم ليس موظفاً فائضاً عن الحاجة، ولا رقماً في كشف المرتبات. إنه أحد أعمدة السودان الذي نريده بعد الحرب: سوداناً يتعافى بالعلم، ويبني بالمعرفة، وينهض بالإنسان.
ولهذا، فإن الدفاع عن المعلم ليس دفاعاً عن فئة مهنية؛ إنه دفاع عن مستقبل وطن كامل. فإذا استمرت الصفعات، فلا ينبغي أن نسأل لماذا انهار التعليم؛ بل علينا أن نسأل: من الذي ترك المعلم وحيداً حتى انهار معه؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.