حين يصبح الوطن ساحة حرب.. من يُحاسب على تدمير الجسور؟

تيسير المبارك

كلما اشتدت المعارك في السودان، يدفع المواطن الثمن مرتين؛ مرة بنيران الحرب، ومرة أخرى بانهيار ما تبقى من البنية التحتية التي قامت عليها حياة الناس لعقود. وإذا صحت التقارير المتداولة بشأن استهداف جسور على النيل الأزرق بهدف إعاقة تقدم قوات الدعم السريع، فإن السؤال لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح سؤالاً وطنياً وأخلاقياً: إلى متى ستظل مقدرات السودان تُستهلك في حرب لا يبدو أن لها نهاية قريبة؟
قد ترى الأطراف المتحاربة أن بعض المنشآت تمثل أهدافاً ذات قيمة عسكرية، لكن النتيجة التي يلمسها المواطن تختلف تماماً عن الحسابات الميدانية. فالجسور ليست مجرد كتل من الخرسانة والحديد، بل شرايين تربط المدن، وتنقل المرضى، وتؤمن حركة الغذاء والدواء، وتختصر معاناة الناس. وعندما تتعرض هذه المنشآت للتدمير أو التعطيل، فإن المتضرر الأول ليس المقاتل، وإنما المدني الذي يجد نفسه معزولاً عن الخدمات وفرص الحياة.
لقد أظهرت الحرب السودانية أن كلفة تدمير البنية التحتية تتجاوز زمن المعركة نفسها. فإعادة بناء الجسور والطرق ومحطات الكهرباء والمياه تحتاج إلى سنوات وإلى مليارات الدولارات، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من الانهاك، وتواجه الدولة تحديات هائلة في توفير أبسط الخدمات الأساسية.
والأكثر إيلاماً أن هذا التدمير يأتي بينما يواصل السودانيون دفع أثمان باهظة من أرواحهم ومستقبلهم. ملايين النازحين واللاجئين، ومدارس مغلقة، ومستشفيات متضررة، ومدن فقدت جزءاً كبيراً من مقوماتها. فهل بقي شيء يستحق أن يُضاف إلى قائمة الخسائر؟
إن استمرار الرهان على الحسم العسكري يثير تساؤلات متزايدة حول جدواه بعد سنوات من القتال. فالحرب، مهما طالت، لم تُنهِ الأزمة، ولم تحقق استقراراً دائماً، بل عمّقت الانقسام ووسعت رقعة الدمار. وتجارب النزاعات في المنطقة والعالم تشير إلى أن كثيراً من الحروب انتهت في نهاية المطاف عبر تسويات سياسية، بعد أن استنزفت البشر والموارد.
ولهذا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا تتقدم إرادة السلام على منطق السلاح؟ ولماذا تتراجع فرص التفاوض كلما برزت مبادرة يمكن أن تخفف معاناة المدنيين؟ إن وقف الحرب لا يعني انتصار طرف على آخر، بقدر ما يعني إنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل السودان بينما تتواصل خسارة أصوله الإستراتيجية. فكل جسر يُهدم، وكل طريق يُقطع، وكل مرفق يتوقف، يمثل عبئاً إضافياً على الأجيال المقبلة التي ستتحمل تكلفة إعادة الإعمار.
إن حماية البنية التحتية ليست قضية هندسية، بل قضية وطنية ترتبط بحق المواطنين في التنقل، والعلاج، والتعليم، والعمل. كما أن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين والأعيان المدنية، يظل ضرورة في أي نزاع مسلح، مع مراعاة أن تقييم قانونية استهداف أي منشأة يعتمد على الوقائع والظروف الخاصة بكل حالة.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن الحرب لم تعد تنتج سوى المزيد من الخراب. وما يحتاجه السودان اليوم ليس جسوراً تُنسف، بل جسوراً للحوار، ولا مزيداً من ساحات القتال، بل إرادة سياسية توقف نزيف الدم، وتحفظ ما تبقى من الوطن.
فالتاريخ لن يخلّد عدد المعارك التي خيضت، بل سيتذكر من اختار إنقاذ السودان عندما كان قادراً على ذلك، ومن ترك للأجيال بلداً مثقلاً بالأنقاض والأسئلة المفتوحة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.