في مفارقة تثير الكثير من التساؤلات، تحولت القاهرة التي صنفت جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية وصادرت أموالها وحظرت نشاطها داخليا، إلى حاضنة آمنة لقيادات التيار الإسلامي السوداني، الذي يعد الامتداد الفكري والتنظيمي لنفس الجماعة.
خلال سنوات الحرب، انتقلت العشرات من قيادات وكوادر الحركة الإسلامية السودانية إلى القاهرة، واتخذت منها مقرا لإقامة عائلاتها وإدارة استثماراتها. ولم يقتصر الأمر على الإقامة، بل شهدت القاهرة تأسيس منظومة إعلامية وسياسية كاملة تابعة لهذا التيار، تشمل صحفا ومواقع إلكترونية وقنوات فضائية ومنظمات مجتمع مدني، تمارس نشاطها بحرية كاملة.
ازدواجية المعايير
تطرح هذه الظاهرة تساؤلات جوهرية حول ازدواجية الموقف المصري. فبينما لا يسمح لأي نشاط محسوب على إخوان مصر بالعمل، يُسمح لإخوان السودان بعقد الاجتماعات، وإطلاق المبادرات السياسية، وإدارة حملات التعبئة الإعلامية من داخل الأراضي المصرية.
ويرى مراقبون أن هذا التناقض يضعف من مصداقية الخطاب المصري الرسمي الذي قدم نفسه كدولة تحارب الإرهاب والتطرف، فإذا بها توفر ملاذا آمنا لنفس التيار عندما يتعلق الأمر بالملف السوداني.
أبناء الجنرالات في القاهرة
المفارقة لا تتوقف عند الإسلاميين، فبحسب مصادر متطابقة، فإن عائلات عدد كبير من جنرالات الجيش السابقين و الذين يديرون الازمة حاليا، تقيم هي الأخرى في مصر وتدير أعمالها من هناك، في وقت يخوض فيه الجيش حربا ويطالب المواطنين بالصمود في الداخل.
هذا الواقع يعزز الانطباع بأن القاهرة أصبحت مركز إدارة الأزمة السودانية عن بعد، حيث تقيم النخبة العسكرية والسياسية والإسلامية وعائلاتها في أمان، بينما يدفع المواطن السوداني البسيط ثمن الحرب نزوحا وجوعا.
تروج بعض الدوائر المقربة من القاهرة رواية أن احتواء إخوان السودان هو “ضرورة أمن قومي” فرضتها طبيعة تركيبة الدولة السودانية، حيث يتمتع الإسلاميون بنفوذ واسع داخل الجيش ومؤسسات الدولة، وأن مصر مضطرة للتعامل مع الأمر الواقع لحماية حدودها الجنوبية وملف مياه النيل.
لكن هذا التبرير، بحسب منتقدين، لا يصمد أمام الحقائق. فالاحتواء الاضطراري لا يعني تمكين التيار من بناء إمبراطورية إعلامية ومالية على الأراضي المصرية، ولا يعني غض الطرف عن تحويل القاهرة إلى منصة لمهاجمة القوى المدنية والثورية السودانية التي ترفض عودة الإسلاميين للحكم.
ويخلص محللون إلى أن ما يحدث ليس مجرد علاقة اضطرارية فرضتها الجغرافيا، بل هو موقف سياسي يحمل قدرا من الالتباس، ويعكس رغبة في الحفاظ على التيار الإسلامي السوداني كورقة ضغط ونفوذ في مستقبل السودان، حتى لو كان ذلك على حساب تطلعات الشعب السوداني في بناء دولة مدنية ديمقراطية.
السؤال الذي يبقى معلقا: هل تستطيع القاهرة أن تحارب الإخوان في الداخل وتحتضنهم في ملف السودان دون أن تدفع ثمن هذا التناقض سياسيا وأخلاقيا؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.