إذا أردنا قراءة زيارة الفريق أول ياسر العطا إلى أنقرة بعيدًا عن الصورة البروتوكولية، فعلينا أن نبدأ من سؤال مختلف: ما الذي ينقص بورتسودان في هذه المرحلة وتستطيع تركيا أن توفره؟؛ وأقدّر أن المطلوب يقع في أربع دوائر مترابطة: تفوق عسكري جوي وتقني، وغطاء سياسي إقليمي أوسع، وشريك ثقيل في اقتصاد ما بعد الحرب، وقناة اتصال مع شبكة سودانية إسلامية وأمنية قديمة تمتلك حضورًا منظمًا داخل تركيا نفسها.
الجزء المعلن من الزيارة عسكري بامتياز؛ العطا وصل أنقرة في 17 أغسطس 2026م بدعوة رسمية من رئيس الأركان التركي سلجوق بيرقدار أوغلو، وعقد معه اجتماعًا ثنائيًا مغلقًا ثم مباحثات بين الوفدين، وبعدها استقبله وزير الدفاع يشار غولر بحضور رئيس الأركان التركي، أي أن مركز الزيارة هو المؤسسة العسكرية التركية، وليس الخارجية أو التجارة أو الرئاسة، ولذلك يصعب التعامل معها كزيارة علاقات عامة.
ما يحتاجه البرهان من تركيا أولًا هو تطوير منظومة الحرب الجوية غير المأهولة بكاملها، وليس شراء طائرة أخرى فحسب؛ لدينا اليوم ما يكفي من الأدلة على أن العلاقة العسكرية تجاوزت مرحلة الاحتمال منذ وقت طويل، ورأينا عقود ورسائل وسجلات طيران ومواد تقنية توثق أن بايكار أبرمت في 16 نوفمبر 2023م عقدًا مع منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، وإن الصفقة شملت ثماني طائرات TB2 وثلاث محطات تحكم أرضي ونحو 600 رأس حربي، بقيمة إجمالية تجاوزت 120 مليون دولار، كما أشارت الوثائق إلى إرسال عشرات الفنيين وتواجد موظفي بايكار على الأرض عند بدء العمليات في سبتمبر 2024م
ثم صعدت العلاقة درجة أخرى؛ القوات المسلحة السودانية استخدمت لاحقًا Bayraktar Akıncı الثقيلة بالفعل، وسُجل إسقاط عدد منها خلال 2025م، ما يؤكد أن أكانجي دخلت مسرح الحرب السوداني عمليًا، لا في خانة التوقعات، وهذه الطائرة تعطي الجيش مدى وارتفاعًا وحمولة واستطلاعًا وإمكانات حرب إلكترونية أوسع كثيرًا من TB2.
لكن ميزان المسيرات تغير مرة أخرى؛ الدعم السريع أصبح يستخدم FH-95 الصينية ومنظومات بعيدة المدى، والجيش أعلن في 15 و17 أغسطس الجاري إسقاط عدة FH-95 في شمال كردفان، في الوقت نفسه تقريبًا الذي كان فيه رئيس أركانه يجلس داخل مقر الأركان التركية، ولذلك أرجح أن بورتسودان تريد اليوم أكثر من استعواض خسائر أكانجي: دفاعًا جويًا قصير ومتوسط المدى، ومنظومات كشف ومكافحة المسيرات، وحربًا إلكترونية، وذخائر دقيقة، وصيانة وقطع غيار، وتدريب مشغلين، وربما نقل جزء من الدعم الفني إلى السودان (سواكن) بحيث يقل اعتماد الجيش على الفرق الأجنبية المتحركة؛ هذه قائمة احتياجات أقرأها من تطور ساحة القتال لأن الزيارة متكتم عليها وعلى نتائجها.
وهنا تصبح تركيا مهمة لبورتسودان لسبب ثانٍ؛ أنقرة تقدم حزمة دولة، لا بندقية فقط، فوزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم وصف تركيا في يوليو الماضي بأنها «حليف استراتيجي»، وقال إن تكنولوجيا الشركات التركية وخبرتها ستكون جزءًا من إعادة إعمار السودان نفس الحديث الذي كرره قبل يومين في السعودية التي تحالف أنقرأ وباكستان، وفي الوقت نفسه دخلت شركات تركية إلى الساحل، ومنها مشروع محطة الغاز المتخصصة في سواكن بنظام BOT، وتتحرك العلاقات في الطاقة والموانئ واللوجستيات؛ لذلك تستطيع بورتسودان أن تقول لأنقرة عمليًا: ساعدينا في تثبيت التفوق العسكري الآن، وخذي موقعًا كبيرًا في سوق إعادة الإعمار والطاقة والموانئ لاحقًا.
وهذه المقايضة التي نراها تستحق الانتباه؛ خاصة أن الجانب التركي تلقى عروضًا مرتبطة بالوصول إلى فرص في التعدين والموانئ ضمن شبكة التفاوض المحيطة بالتسليح، وهذا يؤكد أن هناك عقد «سلاح مقابل ميناء» نافذًا، ويكشف نوع العملة التي تدور داخل غرفة التفاوض: الجيش يحتاج التكنولوجيا والذخائر، والسودان يملك الأرض والمعادن والموانئ والساحل وعقود الإعمار، وتركيا تعرف قيمة الاثنين.
أما الدائرة الثالثة فهي سياسية؛ بورتسودان تريد أن تقلل اعتمادها على راعٍ واحد، فتوزع علاقاتها بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان والصين وإيران بدرجات متفاوتة، وتركيا مفيدة هنا لأنها أصبحت في 2026م أقرب إلى الرياض والقاهرة معًا، ودخلت مع السعودية وباكستان في هندسة دفاعية جديدة، كما أنها موجودة ضمن الحسابات الجديدة لأمن البحر الأحمر؛ والعطا نفسه كان في الرياض في 30 يوليو ضمن اجتماع عسكري رفيع حول التحالف المقترح لحماية البحر الأحمر، ثم انتقل بعد أسابيع إلى أنقرة، وهذا يسمح بقراءة جولاته كجزء من محاولة إدخال الجيش السوداني في شبكة أمن إقليمية أوسع مع الاحتفاظ بحرية الحركة بين مراكزها.
وهنا تصل إلى أن تركيا بالنسبة إلى الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول ليست ساحة خارجية عادية؛ منذ سقوط المخلوع البشير أصبحت إسطنبول وأنقرة عقدة إقامة وتنظيم لعدد معتبر من قيادات النظام وحركته وواجهاته، ولدينا ما يتجاوز الحديث الصحفي عن «لاجئين سياسيين»، ففي ديسمبر 2024م انعقد علنًا المؤتمر العام الثاني للحركة الإسلامية السودانية – إقليم تركيا، وظهر الفريق محمد عطا المولى عباس، المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات السوداني، في موقع قيادة الإقليم وألقى كلمته في المؤتمر.
والأهم أن وجود محمد عطا في هذا الموقع أقدم من الحرب الحالية؛ لأن الصراعات الداخلية للحركة الإسلامية في الخارج، وحالة الاستقطاب الشديد، وأن تنافسًا داخل تنظيم الإسلاميين في تركيا بين مجموعات مرتبطة بمهدي إبراهيم ونافع علي نافع، قد انتهى بأن محمد عطا المولى تولى إدارة مكتب تركيا؛ والرجل نفسه كان مدير جهاز الأمن والمخابرات من أغسطس 2009م حتى إعادة صلاح قوش إلى المنصب في فبراير 2018م، أي أننا نتحدث عن شخصية أمنية مركزية في دولة الإنقاذ، ثم تحولت بعد سقوطها إلى أحد مفاتيح التنظيم الإسلامي السوداني في تركيا.
ومن هنا ينبغي قراءة زيارة العطا عبر مسارين متوازيين: المسار الرسمي بين رئيس الأركان السوداني ووزارة الدفاع والأركان التركية، والمسار السوداني الداخلي الذي توجد داخله في تركيا شبكة من قادة الأمن والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني السابق، بعضهم يملك علاقات طويلة بالمؤسسات التركية وبعضهم شارك في إعادة تنظيم الحركة من الخارج؛ وهناك معلومات ترددت عن لقاء غير معلن خلال زيارة العطا مع الفريق محمد عطا المولى رفقة قيادات أخرى من الحركة الإسلامية، وإذا ثبتت فدلالتها ستكون كبيرة جدًا، لأن رئيس أركان الجيش يكون قد أدار في الرحلة نفسها مسارين: تفاوضًا مؤسسيًا مع المؤسسة العسكرية التركية، واتصالًا مع أحد أكثر رجال جهاز أمن الإنقاذ خبرة ونفوذًا، وهو في الوقت نفسه أحد قادة التنظيم الإسلامي السوداني في تركيا، وعندها يصبح السؤال أوسع من شراء المسيرات: ما العلاقة التي يجري ترتيبها بين الجيش وشبكات النظام السابق في مرحلة ما بعد الحرب، وما الذي تريده هذه الشبكات مقابل دعمها العسكري والسياسي والتنظيمي للجيش؟
وهذه المسألة تأخذ وزنًا إضافيًا لأن هناك تقارير منفصلة عن علاقة ياسر العطا نفسه بكتائب إسلامية تقاتل مع الجيش، ففي أبريل 2026م تم الحديث عن اجتماع له مع قيادات كتائب البراء ومجموعاا مرتبطة بالإسلاميين في أم درمان، وعن وعود بالتدريب في دول من بينها تركيا وباكستان ومصر والسعودية والصين، ونشهد اليوم زيارة للعطا لتركيا متزامنة مع زيارة لقائد كتيبة البراء للصين.
عليه فإن بورتسودان تريد تحويل تركيا من مورد عسكري إلى شريك بقاء وإعادة تموضع، تريد أكانجي وما بعدها، وتريد الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والتدريب والصيانة، وتريد الشركات التركية في الموانئ والطاقة والإعمار، وتريد أنقرة كجسر إلى الهندسة الأمنية الجديدة التي تتقاطع فيها السعودية وباكستان ومصر، كما أن داخل تركيا شبكة سودانية إسلامية–أمنية قديمة تجعل العلاقة معها أعمق من علاقة جيش بمصنع طائرات.
أما تركيا فستطلب المقابل؛ سوق دفاع طويل الأجل، ومكانًا في إعادة الإعمار، وعقود طاقة وموانئ، ونفوذًا على البحر الأحمر، وحضورًا في التعدين والزراعة، وموقعًا سياسيًا داخل السودان بعد الحرب؛ ولذلك أقرأ زيارة ياسر العطا كجزء من تفاوض على شكل السودان المقبل، لا كرحلة لشراء سرب جديد من المسيرات فقط.
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه للعطا والبرهان وحكومة بورتسودان الآن هو: ما الذي يُعرض على تركيا مقابل هذا الدعم، ومن يملك دستوريًا حق منح امتيازات الموانئ والمعادن والأراضي والعقود الممتدة لعقود في دولة ما زالت تعيش حربًا وغيابًا لبرلمان منتخب؟؛ هنا تبدأ القصة التي تستحق التحقيق الصحفي الحقيقي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.