في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، يصبح أي موقف سياسي موحد حدثاً يستحق التوقف عنده. ولذلك، فإن رفض عدد من القوى السياسية والمدنية المشاركة في الحوار الذي دعا إليه الفريق أول عبد الفتاح البرهان لا يمكن قراءته باعتباره مجرد موقف من مبادرة سياسية بعينها، بل بوصفه مؤشراً على وجود مساحة مشتركة بين هذه القوى حول طبيعة المرحلة ومتطلباتها.
لقد ظل الانقسام أحد أكبر أسباب تعثر القوى المدنية السودانية طوال السنوات الماضية. تعددت المبادرات، واختلفت الرؤى، وتباينت الأولويات، بينما كانت الحرب تتوسع، وتتراجع الدولة، ويتحمل المواطن وحده كلفة الصراع. واليوم، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً لدى عدد من القوى السياسية بأن تجاوز خلافاتها يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة المبادرة السياسية.
إن الرسالة الأهم التي يبعث بها هذا الموقف ليست رفض الحوار في حد ذاته، وإنما التأكيد على أن أي عملية سياسية لا يمكن أن تنجح ما لم تبدأ بإيقاف الحرب. فالحوار الذي يُعقد بينما تستمر المعارك، ويعيش ملايين السودانيين بين النزوح واللجوء، سيظل، في نظر كثيرين، عاجزاً عن معالجة أصل الأزمة.
لا أحد يرفض الحوار كقيمة سياسية، فالحوار هو الطريق الطبيعي لحل النزاعات. لكن الحوار الحقيقي يحتاج إلى بيئة تسمح للأطراف بالمشاركة بحرية، وإلى ضمانات تكفل استقلاليته، وإلى شعور عام بأن جميع المشاركين يجلسون إلى الطاولة على قدم المساواة، لا تحت تأثير موازين القوة العسكرية.
إن وحدة القوى السياسية حول أولوية وقف الحرب تمنح السودانيين قدراً من الأمل بأن العمل المدني ما زال قادراً على إنتاج مواقف مشتركة، رغم كل ما تعرض له من انقسامات خلال السنوات الماضية. وهذه الوحدة، إن تطورت إلى برنامج سياسي متكامل، قد تشكل نقطة انطلاق نحو استعادة الثقة في المشروع المدني.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب من القوى السياسية تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، والانشغال بما هو أكثر إلحاحاً: إنقاذ الدولة، وحماية المدنيين، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة الطريق لانتقال سياسي مستقر. فالسودان لم يعد يحتمل مزيداً من الصراعات حول السلطة بينما تنهار الخدمات وتتسع رقعة المعاناة الإنسانية.
إن الحرب أثبتت أن لا أحد يستطيع أن يفرض مستقبلاً مستقراً بقوة السلاح وحده، كما أثبتت أن الانقسام المدني يمنح القوى المسلحة مساحة أكبر لفرض أجندتها. ولهذا، فإن توحيد الموقف السياسي حول إنهاء الحرب يمثل خطوة تستحق البناء عليها، لا التقليل من شأنها.
لكن الوحدة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لإنجاز مهام واضحة: وقف إطلاق النار، إيصال المساعدات الإنسانية، إطلاق عملية سياسية شاملة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية ودستورية. فإذا توقفت هذه الوحدة عند حدود البيانات والمواقف، فلن تغير شيئاً في واقع السودانيين.
أما إذا تحولت إلى مشروع وطني يجمع مختلف القوى المدنية حول برنامج حد أدنى، فإنها قد تفتح نافذة جديدة للخروج من واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ السودان الحديث.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً للحرب، ولم يعد لديهم ترف الانتظار. وما يحتاجونه اليوم ليس مزيداً من المبادرات المتنافسة، بل إرادة سياسية موحدة تضع إنهاء الحرب فوق أي اعتبار آخر، وتجعل مصلحة الوطن أكبر من حسابات السلطة، وأقوى من منطق السلاح.
فربما يكون الاتفاق على رفض مسار لا يحظى بالتوافق بدايةً لاتفاق أوسع على ما يريده السودانيون حقاً: سلام عادل، ودولة مدنية، ومستقبل لا تُحسم فيه السياسة بالبندقية، بل بإرادة الشعب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.