تردي الخدمات يدفع إلى “نزوح عكسي”.. خبراء: الخرطوم ليست مهيأة بعد لعودة واسعة للسكان
تقرير: عين الحقيقة
بدأت مؤشرات ما يُعرف بـ”العودة العكسية” تظهر في ولاية الخرطوم، مع اضطرار عدد من الأسر التي عادت خلال الأشهر الماضية إلى مغادرة الولاية مجدداً، بسبب تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة، في مشهد يعكس استمرار التحديات التي تواجه العاصمة رغم تحسن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق.
ويقول مواطنون إن الآمال التي صاحبت قرارات العودة سرعان ما اصطدمت بواقع مختلف، يتمثل في انقطاع المياه والكهرباء، وتراجع الخدمات الصحية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فضلاً عن بطء عمليات إعادة تأهيل الأحياء المتضررة من الحرب. ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأوضاع قد يحد من فرص استقرار العائدين، ويؤثر على جهود إعادة الحياة الطبيعية إلى العاصمة.
خدمات لا تلبي الاحتياجات
وتواجه أجزاء واسعة من ولاية الخرطوم تحديات كبيرة في توفير المياه الصالحة للشرب، مع استمرار الأعطال في محطات الضخ وشبكات التوزيع، بينما تشهد خدمة الكهرباء انقطاعات متكررة تؤثر على المنازل والمستشفيات والأسواق.
كما لا تزال العديد من المرافق الصحية تعمل بإمكانات محدودة، وسط نقص في الكوادر الطبية والأدوية والمعدات، في حين تعاني المدارس من تحديات تتعلق بالبنية التحتية ونقص المعلمين والوسائل التعليمية. إلى جانب ذلك، يواصل ارتفاع الأسعار الضغط على الأسر العائدة، حيث ارتفعت تكاليف الغذاء والإيجارات والمواصلات بصورة ملحوظة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وندرة فرص العمل.
خبراء: العودة تحتاج إلى مقومات الاستقرار
وقال الخبير في التخطيط العمراني الدكتور محمد عبد الجليل، في تصريح لـ”عين الحقيقة”، إن نجاح العودة الطوعية لا يرتبط فقط بتحسن الوضع الأمني، وإنما يتطلب استعادة الخدمات الأساسية. وأضاف أن “المواطن لن يستقر في منطقة لا يجد فيها مياه أو كهرباء أو رعاية صحية، فإعادة الإعمار تبدأ بإعادة تشغيل المرافق الحيوية قبل الحديث عن عودة واسعة للسكان”.
وأشار إلى أن إعادة تأهيل البنية التحتية في الخرطوم تحتاج إلى استثمارات كبيرة وخطط تنفيذية متدرجة، مع إعطاء الأولوية للمياه والكهرباء والصحة والتعليم.
أعباء اقتصادية متزايدة
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، لـ*”عين الحقيقة”*، إن الأوضاع الاقتصادية أصبحت عاملاً رئيسياً في قرارات الأسر بشأن العودة أو المغادرة. وأوضح أن “ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع الدخول، واستمرار التضخم، تجعل الاستقرار في العاصمة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لعدد كبير من الأسر، خصوصاً تلك التي فقدت مصادر دخلها خلال الحرب”. وأضاف أن أي برنامج لإعادة الاستقرار ينبغي أن يتضمن دعماً للخدمات وفرص العمل، إلى جانب سياسات اقتصادية تخفف الأعباء عن المواطنين.
الصحة في دائرة الخطر
ويرى استشاري الصحة العامة الدكتور أحمد عبد الرحمن أن استمرار ضعف الخدمات الصحية يشكل أحد أكبر التحديات أمام العائدين. وقال لـ”عين الحقيقة” إن “العديد من المستشفيات والمراكز الصحية لم تستعد كامل طاقتها التشغيلية، كما أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يحد من قدرة القطاع الصحي على تلبية احتياجات السكان”. وأضاف أن عودة أعداد كبيرة من المواطنين دون تحسين الخدمات الصحية قد تزيد الضغط على المؤسسات الطبية القائمة.
العودة المستدامة
ويؤكد الباحث في شؤون النزوح والهجرة الدكتور حسن الساعوري أن العودة المستدامة تختلف عن العودة المؤقتة. وأوضح أن “نجاح العودة يقاس بقدرة الأسر على البقاء والاستقرار، وليس بعدد الأشخاص الذين يعودون في البداية. فإذا لم تتوافر الخدمات وفرص العمل والأمن المجتمعي، فإن احتمالات النزوح مجدداً تظل مرتفعة”. وأشار إلى أن تجارب ما بعد النزاعات في عدد من الدول أظهرت أن إعادة الخدمات الأساسية تمثل حجر الأساس في تثبيت السكان ومنع موجات النزوح الجديدة.
تحديات المرحلة المقبلة
ويرى محللون أن الخرطوم ما زالت تواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة الإعمار، وإزالة آثار الحرب، وإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والخدمية، بما يضمن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ويؤكد خبراء أن تشجيع العودة يجب أن يتزامن مع تحسين ملموس في الخدمات العامة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية، وخلق فرص اقتصادية للعائدين، حتى لا تتحول العودة إلى تجربة مؤقتة يعقبها نزوح جديد.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والخدمية، تبقى قدرة ولاية الخرطوم على استيعاب العائدين مرهونة بسرعة إعادة بناء الخدمات الأساسية، باعتبارها الشرط الأول لاستقرار السكان واستعادة الحياة الطبيعية في العاصمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.