تبدو عبارة “العودة الطوعية” جميلة في نشرات الأخبار والخطابات الرسمية، فهي توحي بانتهاء الخطر، وعودة الحياة إلى طبيعتها، واستعادة المدن لعافيتها. لكن الواقع الذي يواجه آلاف السودانيين العائدين إلى ولاية الخرطوم يروي قصة مختلفة تماماً؛ قصة مدينة ما تزال تصارع آثار الحرب، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
فالعودة لا تعني مجرد عبور بوابة المدينة، بل تعني أن يجد الإنسان منزلاً آمناً، وماءً صالحاً للشرب، وكهرباء مستقرة، ومستشفى يعمل، ومدرسة تستقبل أبناءه، وسوقاً يستطيع أن يشتري منه احتياجاته بأسعار معقولة. وهذه المقومات، وفق شهادات كثير من المواطنين وتقارير محلية، لا تزال غائبة أو محدودة في أجزاء واسعة من الولاية.
لقد عاد كثيرون يحملون مفاتيح منازلهم وأحلامهم القديمة، لكنهم وجدوا واقعاً مختلفاً؛ أحياءً تعاني من انقطاع المياه لساعات وأيام، وخدمات كهرباء غير مستقرة، ومرافق صحية تعمل بإمكانات محدودة، وأسواقاً أنهكتها موجات الغلاء، إلى جانب مخاوف أمنية ما تزال تلقي بظلالها على الحياة اليومية.
إن تشجيع العودة قبل اكتمال الحد الأدنى من الخدمات يضع الأسر أمام خيارات قاسية. فالمواطن الذي أنهكته سنوات النزوح لا يريد أن يستبدل معاناة المخيمات بمعاناة مدينة تفتقر إلى مقومات الاستقرار. والعودة التي لا ترافقها خطة واضحة لإعادة الخدمات قد تتحول إلى رحلة جديدة من البحث عن الماء والعلاج والأمان.
ولا يمكن تجاهل أن المستشفيات في الخرطوم ما تزال تواجه تحديات كبيرة، سواء بسبب نقص الكوادر أو الأدوية أو المعدات الطبية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح المرض عبئاً مضاعفاً على الأسر، خاصة مع الارتفاع الكبير في تكاليف العلاج والأدوية.
أما الوضع الأمني، فرغم التحسن النسبي الذي تشير إليه بعض الجهات في مناطق معينة، فإن كثيراً من المواطنين لا يزالون يعبرون عن مخاوفهم من آثار انتشار السلاح، ومن الجرائم المرتبطة بظروف الحرب، ومن غياب الإحساس الكامل بالأمان الذي يشجع الناس على استئناف حياتهم الطبيعية.
ثم تأتي الأزمة الاقتصادية لتزيد المشهد تعقيداً. فالأسعار تواصل الارتفاع، والدخول تراجعت قيمتها الحقيقية، وفرص العمل أصبحت أقل، بينما يحتاج العائد إلى ترميم منزله، وتأمين احتياجات أسرته، وإعادة بناء حياته من الصفر.
إن العودة الطوعية لا ينبغي أن تكون هدفاً إعلامياً أو رقماً يُضاف إلى الإحصاءات، بل يجب أن تكون نتيجة طبيعية لتحسن الظروف على الأرض. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد العائدين، وإنما بقدرتهم على البقاء والاستقرار والعيش بكرامة.
ما يحتاجه السودانيون اليوم ليس دعوات متكررة للعودة، بل خطة متكاملة لإعادة تأهيل الخرطوم: إصلاح شبكات المياه والكهرباء، إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس، إزالة مخلفات الحرب، وتعزيز الأمن وسيادة القانون. فهذه هي الضمانات التي تمنح الناس الثقة في مستقبلهم.
إن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالخدمات. ولا تُقاس عودة الحياة بفتح الطرق وحده، وإنما بعودة الإحساس بالأمان، وحق المواطن في العلاج، والتعليم، والعمل، والحياة الكريمة.
تُرى كم عاد إلى الخرطوم؟ هل أصبحت الخرطوم جاهزة فعلاً لاستقبال من عادوا إليها؟ فإذا كانت الإجابة لا تزال محل شك، فإن الواجب يقتضي معالجة أسباب هذا الشك، لا الاكتفاء بالاحتفاء بأرقام العودة، بينما يواجه العائدون تحديات يومية قد تدفع بعضهم إلى التفكير في النزوح مرة أخرى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.