الضعيف المطيع… كيف اختارت الحركة الإسلامية الإرهابية “كبرون” وزيرا للدفاع ؟
متابعات: عين الحقيقة
يقدّم مسار الفريق محاسب حسن داؤود كبرون، من ضابط مشاة مغمور في الدفعة 34 إلى وزير للدفاع، نموذجاً كاشفاً لقاعدة غير مكتوبة تحكم الترقي داخل القوات المسلحة السودانية، هذه القاعدة غير المكتوبة مفادها أن الضابط القادم من ما يمسى مناطق الهامش، مهما بلغت كفاءته المهنية، لا يصل إلى موقع القرار إلا حين يقدّم فروض الولاء والطاعة لشيوخ الحركة الإسلامية الذين ظلوا يمسكون بمفاصل المؤسسة العسكرية منذ عهد المخلوع عمر البشير وحتى اليوم في سيطرة وتحكم كاملين لما يقارب السبعة والثلاثون عاماً من عمر الدولة السودانية.
غير أن موقع كبرون لا يفسره انتماؤه المفهومي للهامش الجغرافي فحسب، بل يكتمل بفهم كونه أيضاً ضابطاً ضعيفاً تنظيمياً بمقاييس الحركة الإسلامية الإرهابية؛ وهو ما جعله خياراً آمناً للمركز، تكنوقراطياً مطيعاً لا يشكل أي تهديد سياسي أو تنظيمي لرجال المنظومة القويين.
صعد كبرون عبر اندماجه المبكر في شبكة نفوذ إسلامية – مالية داخل الجيش، ثم إثباته هذا الولاء عملياً في اللحظة التي احتاجته فيها المؤسسة أكثر من غيرها، أي حصار القيادة العامة، قبل أن يجتاز اختباراً أشد صعوبة بعد عام ونصف من توليه الوزارة، حين كاد صراع نفوذ داخلي بين مراكز القوة الإسلامية يطيح به من موقعه.
ولد حسن داؤود كبرون في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان في جبال النوبة عام 1962، أو كما ذكر هو نفسه في قرية سلارا تحديدًا موطنًا أصليًا له.
وهذا الانتماء يفسر لماذا احتاج كبرون، أكثر من زملائه القادمين من المركز، إلى إثبات ولائه بصورة متكررة ومكثفة لضمان موقعه داخل هرم تراتبية عسكرية لا يمنح الثقة تلقائيًا لأبناء المناطق الطرفية.
وهو أب للملازم أول عماد حسن، من الدفعة 64، أحد الضباط المشاركين في العمليات القتالية المعروفة لدي إعلام سلطة الأمر الواقع بـ”معركة الكرامة” في جبهات كردفان، وهي تفصيلة يوظّفها الخطاب الرسمي المؤيد له لتقديم بيته بوصفه بيتاً عسكريًا مقاتلًا، لا بيت ضابط مكتبي فحسب.
من ضابط مشاة إلى بوابة الحركة الإسلامية في الإدارة المالية
إلتحق كبرون بالكلية الحربية ضمن الدفعة 34 عام 1983م أو أواخر عام 1984م وجاء ذلك بالتزامن مع إعادة النظر في النظام الأكاديمي للكلية الحربية وتطوير مناهجها العسكرية والعلمية آنذاك ليتخرج بوصفه ضابط مشاة في العام 1986، وتجدر الإشارة إلى أن الكلية الحربية السودانية شهدت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي تحولاً محورياً في نظامها التعليمي، حيث التحقت الدفعتان (34) و(35) في أواخر عهد الرئيس جعفر محمد نميري (1983-1984م)، لتكونا شاهدتين على تطبيق أول منهج أكاديمي مطور أقّرته القيادة العامة للقوات المسلحة لمواكبة النظم العسكرية الحديثة عبر دمج العلوم الإدارية والإنسانية بالتدريب الميداني.
ومع تخرج هذه الدفعات في عام 1986م، عاصرت البلاد تحولاً سياسياً كبيراً من الحكم الشمولي الفردي إلى النظام الديمقراطي التعددي عقب انتفاضة أبريل 1985م. كان من المفترض أن يتدرج كبرون في القيادة الميدانية وفق المسار التقليدي لضباط السلاح.
غير أن مساره انحرف مبكراً، وهو برتبة رائد تقريباً، من العمل القتالي إلى التخصص المحاسبي والمالي، وهو تحول لا يحدث عادة بصورة عشوائية داخل مؤسسة عسكرية، بل يرتبط غالباً بكونه درس المحاسبة تحسبا لغدر الزمان وتقلبات الساحة العسكرية التي يفتقد هو فيها أي عناصر دعم أو شبكة علاقات تحقق له حماية مهنية ووظيفية.
وتشير المعلومات إلى أنه سعي بإلحاح لينقل بعد حصولة على المؤهل الجامعي إلى إدارة الشؤون المالية للقوات المسلحة ليجد نفسه تحت قيادة أحد أكبر وأقوي العناصر التنظيمية للحركة الإسلامية الإرهابية داخل الجيش ألا وهو الفريق محاسب محمد عثمان الركابي (وزير المالية لاحقا).
لذا نجد أن هذا الانتقال ارتبط لاحقا بعلاقة كبرون بالفريق محاسب الركابي، الذي ظل لأكثر من عقد يمسك بمفتاح الإدارة العامة للشؤون المالية للقوات المسلحة خلال عهد المخلوع البشير.
وتذهب رواية متداولة إلى أن الركابي عاقب كبرون في مرحلة من مراحل علاقتهما، فأجلسه في منزله عامًا كاملًا دون عمل، وهي عقوبة تكشف طبيعة العلاقة التي ربطت الرجلين، علاقة تلمذة وانضباط شخصي أقرب إلى منظومة الولاء منها إلى العلاقة الوظيفية المجردة.
وهذا يعني أن دخول كبرون إلى القطاع المالي بالجيش حمل بعدًا أعمق من تغيير التخصص الفني، إذ فتح له الباب إلى دائرة نفوذ مؤسسية عرف من خلالها مبكرًا أن الطريق إلى القمة يمر عبر إرضاء من يملكون مفاتيح المال والقرار، لا عبر السجل القتالي وحده.
وتتقاطع هذه الرواية مع معلومات أخرى تفيد بأن كبرون كان من الكوادر التي استقطبتها منظومة الحركة الإسلامية داخل الجيش في إطار سياسة بناء شبكة من الضباط الموالين للنظام الحاكم آنذاك، وأن الركابي نفسه كان من الشخصيات التي رعت توجيه مساره.
وتفسر هذه الرواية استمرار كبرون في الصعود بينما ظل ضباط آخرون من منطقة جبال النوبة، أكثر أقدمية منه، بعيدين عن مواقع القرار المماثلة.
غير أن الملمح الأهم في هذا الاستقطاب هو أن كبرون ظل ضابطاً ضعيفاً تنظيمياً بمقاييس الحركة الإسلامية الإرهابية؛ فلم يكن من الشيوخ العقائديين أو القيادات التنظيمية الصلبة في القطاع المالي للجيش مثل اللواء محمد الفاتح الفكي أو اللواء عادل العبيد عبد الرحيم، بل تم توظيفه واستزراعه كـ “تكنوقراط مالي” يدين بالولاء الشخصي والمؤسسي لرعاته، مما جعله أداة طيعة ومثالية للإدارة والسيطرة دون خوف من طموحاته السياسية.
اختبار الولاء الأول – حين يأمرك التنظيم وملف «زادنا»
بعد سقوط البشير في 11 أبريل 2019 في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة، دخلت الشركات المرتبطة بالنظام السابق في صراع سياسي وقانوني حاد حول مصيرها، وكانت شركة “زادنا” إحدى أبرز هذه الشركات.
وفي عام 2021، وكان كبرون حينها مديراً للإدارة العامة للشؤون المالية للقوات المسلحة، اختاره الفريق عبد الفتاح البرهان لرئاسة لجنة مراجعة أعمال “زادنا”، في لحظة كانت فيها قوى الثورة تسعى إلى تفكيك شبكة الشركات العسكرية الموروثة عن عهد البشير.
وتذهب معلومات سياسية وعسكرية إلى أن مهمة كبرون الفعلية ومعه ضابط آخر برتبة عقيد يتبع للاستخبارات العسكرية في نفس هذه اللجنة المشار إليها، تجاوزت المراجعة المحايدة إلى حماية منظومة “زادنا” من التفكيك والحفاظ على شبكتها الإدارية القديمة، وتربط اسمه بأحمد الشايقي، المدير السابق للشركة، وتفيد بأنه ساعد في تسهيل وإخفاء ومحو أي تورط للمدعو أحمد الشايقي في أي ملفات فساد أو إستغلال نفوذ ومن ثم لاحقا إلى تسهيل هروبه إلى تركيا بعد سقوط النظام.
واختيار كبرون تحديداً لهذه المهمة في هذه اللحظة الحساسة يعكس ثقة الشبكة القديمة به، وهي ثقة لا تُمنح إلا لمن أثبت أنه حارس أمين على مصالحها لا مدقق مستقل عليها.
سياسة الموازنات القبلية
يكشف موقع كبرون داخل خريطة الضباط من منطقة جبال النوبة عن بُعد آخر لقاعدة الولاء ذاتها. فالفريق عبد الخير عبد الله ناصر درغام، وهو من الدفعة 33 وبالتالي أقدم من كبرون عسكرياً، كان يشغل مناصب عسكرية من بينها قيادة قوات الدفاع الجوي وحاليا نائب رئيس الأركان للإدارة، لكنه لم يصل إلى موقع مماثل في وزارة الدفاع رغم أقدميته أو المفتش العام للجيش السوداني الذي تم أسره في بداية الحرب الفريق الركن مبارك كوتي كمتور.
والذي يُعد أرفع رتبة عسكرية بالجيش السوداني وقعت في الأسر لدى قوات الدعم السريع، ولا يعرف مصيره حتي الآن في ظل تكتم كبير وصمت قاتل من القيادة العامة.
هذا التفاوت يشير إلى أن الأقدمية وحدها لا تكفي لتفسير من يصل إلى القمة من أبناء المناطق الهامشية، بل إن العامل الحاسم يبقى موقع الضابط داخل شبكات الثقة والولاء التي تحرص المنظومة الحاكمة، عبر ما يمكن وصفه بسياسة الموازنات القبلية، على الإبقاء عليها متمثلة برجل واحد موثوق في قمة الهرم، لا بمن يستحقها بحكم الرتبة والأقدمية فقط.
كما يُظهر اختيار كبرون تحديداً بعداً يتعلّق بـ توظيف “التمثيل الشرعي” لمواجهة خطابات التهميش؛ فالاستعانة بشخصية ينحدر موطنها الأصلي من جبال النوبة في موقع وزير الدفاع تُستخدم كأداة إعلامية وسياسية للرد على أطروحات التهميش التي ترفعها القوى المنافسة أو الحركات المسلحة في الإقليم، ولتقديم المؤسسة العسكرية كمنظومة جامعة لكل أبناء الوطن، مع الاحتفاظ بمركزية القرار الدقيقة والصلبة داخل الدوائر القيادية والإسلامية للجيش.
وزير يعرّف نفسه بحدود طاعته
في 24 يونيو 2025 عيّن رئيس الوزراء كامل الطيب إدريس المعين من قائد الانقلاب كبرون وزيرًا للدفاع، وأدى القسم في 28 يونيو.
وجاء توقيت التعيين في لحظة كانت فيها المؤسسة العسكرية بحاجة إلى وزير يعرف التعقيدات المالية وكيفية التعامل مع ميزانيات الجيش من الداخل، ويملك خبرة مالية تؤهله للتعامل مع التدفقات الضخمة المرتبطة بالتسليح والتعاقدات خلال الحرب، ويحظى في الوقت ذاته بثقة القيادة التنظيمية للحركة الإسلامية.
ومنذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، حرص كبرون على تعريف دوره بنفسه وبوضوح.
وزير الدفاع، كما قال، صاحب مهمة (تنسيقية) يبقى القرار العسكري المباشر بعيدًا عن يده، محفوظًا للقيادة العامة ورئاسة هيئة الأركان. وهذا التعريف الذاتي لدوره يحمل دلالة تتجاوز الوصف الوظيفي، فهو إعلان طاعة مسبق، فخطابه ظل منسجمًا مع الخط العام للمؤسسة، ولم يظهر كصاحب مشروع سياسي مستقل، ولم يدخل في مواجهة علنية مع القيادة العامة، ولم يقدّم نفسه بوصفه وزيرًا يراجع قراراتها أو يعترض عليها.
القيادة تقرر، والوزارة تنسق، وكبرون ينفذ بهدوء، وهي صيغة تلائم تمامًا منظومة عسكرية مركزية تدير حربًا طويلة، لكنها تفرغ منصب وزير الدفاع من مضمونه الاستراتيجي: فلا تظهر حتى الآن مبادرة شاملة لإعادة هيكلة الوزارة، ولا عقيدة دفاعية جديدة معلنة، ولا مشروع متكامل لإصلاح المنظومة المالية للقوات المسلحة، ولا خطة معلنة لإعادة بناء القوات المسلحة بعد الحرب.
ويكرّس هذا النمط بُعداً هيكلياً يتمثل في تجريد منصب وزير الدفاع من الوزن القتالي والاستراتيجي؛ إذ أُعيد توزيع الأدوار عبر الفصل بين الإدارة والقيادة الميدانية، ليُترك القتال المباشر والقرار العسكري لهيئة الأركان، بينما تُحصر الوزارة في الأبعاد اللوجستية، والتنفيذية، والتوريدات، والتنسيق الإداري.
وقد انعكس هذا الطابع التنسيقي في نشاطه اليومي، إذ يظهر كبرون بصورة متكررة رئيسًا للجان أمنية وإدارية مرتبطة بضبط أمن الخرطوم وترتيبات العاصمة، بينما يقل حضوره في الملفات التي تُصاغ فيها السياسة الدفاعية طويلة المدى والتي بطبيعة الحال لا يمتلك فيها أي خبرات.
إن خلفية كبرون المالية جعلته شخصية مناسبة للتعامل مع ملف التسليح وصفقات الأسلحة والذخائر والمعدات والمركبات العسكرية الحساس، الذي تحيط به منذ سنوات انتقادات قديمة تتعلق باستقلال منظومة الصناعات الدفاعية عن رقابة وزارة المالية. وتتهم روايات سياسية وعسكرية المنظومة المحيطة بالوزارة باستخدام ظروف الحرب لتمرير عقود ومبالغ مالية كبيرة بعيدًا عن التدقيق الكامل، وهو ما يجعل فترته الوزارية بحاجة إلى مراجعة مالية دقيقة مستقبلًا، خاصة فيما يتعلق بالعقود الخارجية والجهات التي توافق عليها.
الاختبار الأصعب – صراع النفوذ
في 26 نوفمبر 2025 تصدّرت أنباء استقالة كبرون وسائل الإعلام السودانية والإقليمية، بعد غيابه اللافت عن اجتماع مجلس الأمن والدفاع المنعقد في بورتسودان برئاسة البرهان، رغم كونه المقرر الرسمي للمجلس.
ونقلت حينذاك مصادر صحفية عن مصادر مطلعة أن كبرون كان قد قدّم استقالته قبل الاجتماع بأسبوعين أو أكثر، وأن الاستقالة ظلت مكتومة، وأدى غيابه إلى تكليف وزير الخارجية محيي الدين سالم بتلاوة بيان المجلس بدلًا منه، في سابقة عكست حالة ارتباك داخل المنظومة الحاكمة في بورتسودان.
والسبب المتداول لهذه الأزمة إضافة إلى ما راج عن ملف أموال التعبئة والاستنفار كما أشيع في بعض الروايات، هو في حقيقة الأمر صراع نفوذ قديم متجدد ومتصاعد داخل مجلس الأمن والدفاع نفسه، بين قيادات محسوبة على الحركة الإسلامية (كالفريق إبراهيم جابر) تتزايد هيمنتها على قرارات المجلس، وبين بقية الأعضاء الذين يتراجع تأثيرهم تدريجيًا.
جاءت هذه الأزمة ومعلومات تبديد ميزانيات التعبئة والإستنفار في سياق تدهور اقتصادي حاد شهده السودان في تلك الفترة.
إلا أنه لم يصدر عن الجيش السوداني أو عن كبرون نفسه أي تعليق رسمي يؤكد الاستقالة أو ينفيها، وبقي الرجل في منصبه، وهو ما يعني أن الأزمة، إن كانت استقالة فعلية أو مجرد تلويح بها، انتهت بعودته إلى الصف مطيعًا (كسابق عهده)، لا خارجًا عن دائرة الولاء التي بنى عليها مسيرته كلها.
في الأيام التالية، ظهر كبرون في تصريحات من القاهرة – التي ذهب إليها مستشفيا – تناول فيها المفاوضات الجارية حول هدنة إنسانية مقترحة من الرباعية الدولية، مؤكدًا أن الجيش والدعم السريع منخرطان في مناقشة الورقة الأمريكية عبر ممثليهما في واشنطن، وأن مجلس الأمن والدفاع شكّل لجنة وطنية لتنسيق الجهود الإنسانية مع المنظمات المحلية والدولية.
لا شك أن عودته إلى الظهور الإعلامي بهذه السرعة، وبهذا الخطاب المتماهي تمامًا مع الموقف الرسمي للمؤسسة، تعزز قراءة أن أزمته مع مركز النفوذ الإسلامي داخل المجلس حُلّت بثمن استعادة الطاعة الكاملة، لا بثمن أي مكسب استقلالي له.
وتسلط هذه الأزمة الضوء على المأزق المزدوج وضيق مساحة المناورة الذي يعيشه كبرون؛ فالضابط القادم من الهامش، والذي يصعد أساساً عبر بوابة الولاء المباشر والضعف التنظيمي داخل أروقة الحركة الإسلامية، يجد نفسه قد فقد امتداده أو سندَه في حاضنته الإقليمية التي باتت تراه مجرد جزء من السلطة المركزية، بينما يفتقر داخل المركز نفسه إلى قاعدة تنظيمية أو سياسية صلبة تحميه عند نشوب الخلافات بين مراكز القوة.
(نقلا عن صحيح السودان)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.