البرهان يكرر وصفة البشير… هل يقود السودان إلى العزلة؟

تقرير ـ عين الحقيقة

اتهام البرهان لواشنطن بالتآمر ليس جديداً في قاموس السلطة السودانية؛ إنه استدعاء مباشر لإحدى أكثر وصفات نظام البشير استهلاكاً

 

على خطى الرئيس المخلوع عمر البشير، يبدو أن قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان اختار مجدداً خطاب «المؤامرة الخارجية» بوصفه درعاً سياسياً للهروب من أسئلة الحرب وفشلها وتداعياتها، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على السلطة في بورتسودان. فبدلاً من تقديم إجابات عن مصير الحرب، ومسؤولية استمرارها، وكلفة الخراب الذي دفع السودانيون ثمنه، يتجه الخطاب الرسمي إلى واشنطن، وكأن الولايات المتحدة هي التي أشعلت الحرب وهي التي دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح والجوع.

اتهام البرهان لواشنطن بالتآمر ليس جديداً في قاموس السلطة السودانية؛ إنه استدعاء مباشر لإحدى أكثر وصفات نظام البشير استهلاكاً. كلما ضاق الخناق، جرى اختراع «عدو خارجي»، وكلما تعثرت السلطة في إدارة أزماتها، تحولت أمريكا والغرب إلى شماعة جاهزة لتعليق الفشل عليها.

لكن المشكلة أن التاريخ لا يعيد نفسه بالخطابات وحدها؛ بل يعيد إنتاج نتائجه أيضاً.

من انقلاب 2021 إلى إعادة تدوير الإسلاميين

منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، فتح البرهان الباب أمام عودة عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية إلى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة والمنظومة العسكرية، بالتزامن مع صعود تشكيلات وكتائب محسوبة على التيار الإسلامي إلى واجهة المشهد العسكري.

وبينما كانت ثورة ديسمبر قد رفعت شعار تفكيك دولة الإنقاذ وبناء دولة مدنية، اتجهت السلطة الانقلابية إلى إعادة تدوير جزء من البنية السياسية والأمنية للنظام السابق، في خطوة يرى منتقدون أنها ساهمت في إجهاض المسار الانتقالي وإعادة السودان إلى مربع الاستقطاب.

ثم جاءت الحرب في 15 أبريل 2023 لتكشف حجم الانهيار في بنية الدولة، وتفتح المجال أمام القوى المسلحة والتنظيمات السياسية المتحالفة معها لتوسيع نفوذها.

وبدل أن تكون الأولوية لإنقاذ الدولة من الانهيار، تحولت الحرب تدريجياً إلى ساحة لإعادة ترتيب موازين القوى، فيما يدفع المدنيون وحدهم ثمن هذا الصراع.

«الحسم العسكري».. شعار بلا نهاية

من جدة إلى الإيقاد والاتحاد الأفريقي، ثم المبادرات الأمريكية، ظلت فرص وقف الحرب تصطدم بمواقف متشددة وحسابات عسكرية وسياسية متضاربة.

وفي كل مرة يلوح فيها أفق للحل، يعود خطاب «الحسم العسكري» إلى الواجهة، وكأن الجيش قادر على إنهاء حرب تجاوزت عامها الثالث بمجرد رفع سقف الشعارات.

لكن الواقع أكثر قسوة من الدعاية السياسية.

فالسودانيون لا يعيشون «معركة حسم» على شاشات البيانات، بل يعيشون حرباً حقيقية: مدناً مدمرة، ملايين النازحين، اقتصاداً منهاراً، جوعاً متصاعداً، وانهياراً للخدمات الأساسية.

والسؤال الذي يفترض أن يواجهه البرهان ليس: «لماذا تتآمر أمريكا؟»، بل: لماذا فشلت كل هذه السنوات من الحرب في إنتاج سلام أو استقرار أو دولة؟

العقوبات.. نتيجة للسياسات أم «مؤامرة»؟

لا يمكن التعامل مع العقوبات الأمريكية باعتبارها حدثاً منفصلاً عن سياق الحرب. فقد استهدفت واشنطن شخصيات وكيانات وشبكات مرتبطة بالصراع، وتصاعدت الضغوط الدولية على خلفية اتهامات وانتهاكات خطيرة، بينها اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية.

ومهما اختلف السودانيون حول السياسة الأمريكية، فإن اختزال كل ذلك في «مؤامرة على السودان» يمثل هروباً من أصل المشكلة.

فالولايات المتحدة ليست المسؤولة عن انهيار الاقتصاد السوداني، ولا عن استمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات، ولا عن تشريد الملايين، ولا عن تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات صراع.

المؤلم أن السلطة التي تتحدث كثيراً عن السيادة الوطنية تبدو أقل اهتماماً بحقوق المواطن السوداني في الأمن والغذاء والسلام.

فالسيادة ليست خطباً عسكرية، ولا بيانات تعبئة، ولا رفعاً لشعارات العداء للخارج؛ السيادة الحقيقية هي أن يكون السودان قادراً على حماية مواطنيه وإنهاء الحرب وبناء مؤسسات دولة لا تخضع لمنطق المليشيا أو الحزب أو القيادة العسكرية.

البرهان والبشير.. اختلاف الوجوه وتكرار الوصفة

المشهد الأكثر إثارة للقلق هو أن البرهان، بدلاً من القطع مع إرث البشير، يبدو في بعض مواقفه وكأنه يعيد استخدام أدواته السياسية: عدو خارجي، خطاب تعبوي، تخويف من المؤامرة، وتقديم المعركة العسكرية باعتبارها الطريق الوحيد للخلاص.

لكن تجربة البشير أثبتت أن هذه الوصفة لا تحمي الدولة؛ بل تعزلها.

ثلاثة عقود من خطاب «المؤامرة» لم تمنع سقوط النظام، ولم تحمِ السودان من العقوبات والعزلة، ولم تمنح البلاد اقتصاداً مستقراً أو دولة قوية. انتهى الأمر بسقوط البشير نفسه، بينما بقيت البلاد تدفع ثمن سنوات الحكم المعزول والحروب والأزمات.

والآن، يبدو أن السودان مهدد بإعادة التجربة نفسها، لكن بكلفة أكبر بكثير.

السودان لا يحتمل «بشيراً جديداً»

الخطر الحقيقي ليس في أن ينتقد البرهان الولايات المتحدة، فهذا حق سياسي مشروع، وإنما في أن يتحول النقد إلى أداة لتبرير استمرار الحرب وإسكات الأسئلة الصعبة.

السودان لا يحتاج إلى قائد عسكري يبحث عن شماعة خارجية لكل أزمة، ولا إلى سلطة تستبدل مشروع السلام بخطاب التعبئة، ولا إلى إعادة إنتاج القوى التي كانت جزءاً من النظام السابق داخل مؤسسات الدولة.

إذا كان البرهان يريد فعلاً إنقاذ السودان من العزلة، فعليه أن يواجه أصل الأزمة بدلاً من مطاردة أعراضها: وقف الحرب، فتح الطريق أمام عملية سياسية حقيقية، إبعاد العسكريين والتنظيمات الحزبية عن احتكار مستقبل البلاد، وبناء دولة مدنية لا تكون رهينة للسلاح.

فالسودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من البشير بوجه مختلف.

ويبدو أن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام البرهان ليس: هل تتآمر أمريكا على السودان؟

بل: هل يتعلم السودان أخيراً من تجربة البشير، أم أن البرهان يصر على إعادة إنتاجها حتى النهاية؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.