على خطى سلفه المخلوع عمر البشير، خرج رئيس قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ليتهم الولايات المتحدة الأمريكية بالتآمر على السودان وشعبه، في محاولة مكشوفة للهروب من استحقاقات السلام والتنصل من مسؤولية الحرب التي أشعلها، متجاهلاً أن القادم هو مزيد من العقوبات الدولية على نظامه.
خطاب البرهان لم يكن جديداً، بل هو نسخة مكررة من خطابات البشير التي كانت تتهم أمريكا والغرب بالتآمر كلما اشتد الخناق على نظامه بجرائم الحرب والإبادة، والنتيجة كانت عزلة السودان لثلاثة عقود وإدراجه في قائمة الإرهاب. واليوم يعيد البرهان إنتاج ذات الخطاب بنفس الأدوات، بعد أن ارتهن قراره بالكامل للحركة الإسلامية.
احتواء الإخوان بعد الانقلاب وإشعال الحرب
ومنذ انقلابه على الثورة في 25 أكتوبر 2021، فتح البرهان أبواب معسكرات الجيش ومؤسسات الدولة أمام عناصر الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول، وأعاد كتائبهم الأمنية والجهادية إلى الواجهة تحت مسميات “المستنفرين” و “البراء بن مالك” وغيرها.
وتؤكد مصادر متطابقة أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تكن سوى مشروع مدبر من التنظيم الإخواني لاستعادة السلطة التي أسقطتها ثورة ديسمبر، وجد ضالته في البرهان ونائبه السابق ياسر العطا، حيث استخدم الجيش كغطاء لمشروع عودة الإسلاميين.
رفض ممنهج لكل مبادرات السلام
ورصد التقرير مساراً طويلاً من رفض حكومة بورتسودان لكل المبادرات الإقليمية والدولية لوقف الحرب، من منبر جدة إلى مبادرات الإيقاد والاتحاد الأفريقي، وآخرها رفض خارطة الطريق الأمريكية.
ففي الوقت الذي يموت فيه السودانيون جوعاً ونزوحاً، يتمسك البرهان بشعار “الحسم العسكري” الذي تمليه عليه الحركة الإسلامية، رافضاً أي عملية سياسية يقودها المدنيون، وهو ما أكدته الخارجية الأمريكية صراحة حين قالت إن أي عملية سياسية يجب أن يعدها المدنيون وليس العسكريون والإسلاميون.
عقوبات الكيماوي والعزلة الدولية
ولم تأت اتهامات البرهان لأمريكا من فراغ، بل تأتي بعد سلسلة عقوبات أمريكية طالت الجيش وحكومة بورتسودان وشبكات تمويل الحرب وشركات مرتبطة بالإسلاميين.
وكانت واشنطن قد فرضت في مايو 2025 حزمة عقوبات جديدة على حكومة بورتسودان بعد ثبوت استخدام الجيش لأسلحة كيميائية في مناطق العمليات، في سابقة خطيرة تعيد السودان إلى مربع الدول المنبوذة دولياً.
كما طالت العقوبات مسؤولين وشركات وشبكات مالية تستخدمها سلطة بورتسودان لتمويل الحرب وشراء السلاح، في وقت يتحدث فيه البرهان عن “مؤامرة” بينما يرسل رئيس أركانه ياسر العطا إلى تركيا لعقد صفقات سلاح واجتماعات سرية مع قادة إخوان السودان الهاربين في أنقرة.
ويرى مراقبون أن البرهان بتبنيه خطاب المؤامرة وارتهانه للحركة الإسلامية، لا يقود السودان إلا إلى مزيد من العقوبات والعزلة، ويغلق الباب أمام أي حل سلمي يمكن أن ينقذ ما تبقى من الوطن، مكرراً بذلك التجربة الكارثية لنظام البشير حتى سقوطه الأخير.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.