الموت المجاني.. حين تتحول الحرب إلى حياة بلا خدمات ولا أمل

تيسير المبارك

 

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهات عسكرية تدور في ساحات القتال، بل تحولت إلى واقع ثقيل يطارد السودانيين في تفاصيل حياتهم اليومية. فبين ارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتراجع الرعاية الصحية، يجد المواطن نفسه أمام معركة أخرى لا تقل قسوة عن أصوات الرصاص: معركة البقاء.

في مدن وقرى كثيرة، أصبح الحصول على الاحتياجات الأساسية رفاهية لا يملكها المواطن. أسعار الغذاء ترتفع بصورة تفوق قدرة الأسر على الاحتمال، بينما تتراجع الدخول وتتآكل المدخرات، ويجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام سؤال بسيط وقاسٍ: كيف يمكن أن نعيش؟

الحرب لم تكتفِ بتدمير المنازل والأسواق والبنية التحتية، بل أصابت الاقتصاد في صميمه. توقفت أعمال، فقدت أسر مصادر دخلها، وتراجعت حركة التجارة والإنتاج، فيما تحولت تكلفة النقل والسلع والخدمات إلى عبء يومي. وفي ظل هذا الوضع، بات الفقر أكثر اتساعاً، وأصبح الجوع وجهاً آخر من وجوه الحرب.

خدمات غائبة.. ومعاناة مضاعفة

حين تنقطع الكهرباء لساعات طويلة، لا تتوقف الإنارة فقط؛ تتعطل معها أعمال التجار، وتتلف الأغذية، وتتأثر خدمات المياه والاتصالات، وتزداد معاناة المرضى وأصحاب الأعمال الصغيرة.

وحين تتراجع خدمات الصحة، يصبح المرض نفسه خطراً قد يقود إلى الموت. المستشفيات التي تعمل في ظروف استثنائية تواجه نقصاً في الأدوية والمستلزمات والكوادر، بينما يجد المواطن نفسه مضطراً إلى البحث عن علاج قد لا يستطيع دفع تكلفته.

أما المياه، وهي أبسط حقوق الإنسان، فقد أصبحت في بعض المناطق مشكلة يومية تستنزف الوقت والمال والجهد، خصوصاً بالنسبة للأسر التي تعيش في مناطق النزوح أو المناطق المتضررة من القتال.

التكايا.. آخر ما تبقى للفقراء

في خضم هذا الانهيار، لعبت المبادرات الشعبية والتكايا والمطابخ الخيرية دوراً بالغ الأهمية في إطعام آلاف الأسر والنازحين. لكنها نفسها أصبحت مهددة بالتوقف بسبب نقص التمويل والموارد.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: المواطن الذي فقد دخله بسبب الحرب، يحتاج إلى المساعدة؛ والمبادرة التي تقدم له الطعام تحتاج بدورها إلى التمويل؛ ومع استمرار الحرب، تتسع الفجوة بين الاحتياجات والقدرة على الاستجابة.

إن توقف هذه المبادرات لا يعني توقف وجبة واحدة، بل يعني أن أسرًا كاملة قد تجد نفسها أمام الجوع دون بديل.

الموت المجاني

أقسى ما أنتجته الحرب هو أن يصبح الموت أمراً عادياً في حياة الناس.

يموت البعض تحت القصف والرصاص، ويموت آخرون بسبب المرض أو الجوع أو غياب الدواء أو صعوبة الوصول إلى المستشفى. وهناك من يموتون لأن الطريق إلى منطقة آمنة أصبح محفوفاً بالمخاطر.

وهكذا تتعدد أسباب الموت، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.

والموت المجاني ليس فقط سقوط الإنسان في ميدان المعركة، بل أن يفقد الإنسان حياته بسبب ظرف كان يمكن تفاديه لو توفرت له خدمة صحية، أو دواء، أو غذاء، أو مياه نظيفة، أو طريق آمن.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الحرب

بعد كل هذه السنوات من النزاع، لم يعد المواطن السوداني معنياً كثيراً بالشعارات العسكرية والسياسية بقدر ما هو معني بحياته ومستقبل أطفاله.

السوداني يريد أن يفتح متجره، وأن يذهب طفله إلى المدرسة، وأن يجد العلاج عندما يمرض، وأن يحصل على الخبز والماء والكهرباء، وأن يعود إلى منزله دون خوف.

هذه ليست مطالب سياسية، بل حقوق إنسان أساسية.

ولذلك فإن استمرار الحرب يعني ببساطة استمرار إنتاج الأزمات: أزمة اقتصادية تلد أزمة غذاء، وأزمة غذاء تلد أزمة صحية، وانهيار الخدمات يفتح الباب أمام مزيد من الفقر والنزوح والموت.

السلام ليس شعاراً.. بل إنقاذ لحياة الناس

السودان اليوم بحاجة إلى وقف نزيف الأرواح قبل أي شيء آخر. بحاجة إلى فتح الطرق أمام المساعدات الإنسانية، واستعادة الخدمات الأساسية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة النازحين إلى مناطقهم، وإطلاق عملية سياسية تضع مصلحة الشعب فوق حسابات القوى المتصارعة.

فلا انتصار يمكن أن يبرر موت المدنيين، ولا مكسب سياسي يستحق أن يدفع المواطن ثمنه من قوته وحياته ومستقبل أبنائه.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب. وبينما يستمر السياسيون والعسكريون في إدارة صراعهم، يواجه المواطن حرباً أخرى في السوق والمستشفى والمنزل والطريق.

السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟

السؤال الذي يجب أن يشغل الجميع هو: كم من السودانيين يجب أن يموتوا قبل أن يدرك الجميع أن استمرار الحرب ليس انتصاراً لأحد، بل خسارة لوطن بأكمله؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.