مقدمة
يمثل تقييم الأداء الهيدروليكي والتشغيلي لمنظومة الري والصرف بمشروع السوكي خطوة أساسية لفهم واقع الموسم الزراعي الحالي وتحديد مواطن الخلل التي تؤثر في استقرار الإنتاج وكفاءة استخدام المياه. ولا يقتصر التقييم على مدى توفر المياه، وإنما يشمل قدرة الشبكة على نقلها وتوزيعها والتحكم فيها وتصريف الفائض بكفاءة، بما يضمن وصول المياه إلى المحاصيل في الكمية والتوقيت والمكان المناسب.
تشير المعطيات التشغيلية للموسم الزراعي الحالي بمشروع السوكي إلى وجود اختلالات جوهرية في منظومة الري والصرف الزراعي (Irrigation and Drainage System) انعكست بصورة مباشرة على استقرار الموسم وكفاءة استخدام المياه والإنتاجية المتوقعة للمحاصيل.
فقد تمت زراعة جزء من المساحات المستهدفة، إلا أن بعض المساحات المزروعة تعرضت للغمر (Waterlogging) نتيجة اختناقات في شبكة المصارف (Drainage Network Bottlenecks)، وانخفاض كفاءة الصرف السطحي (Surface Drainage Efficiency)، إضافة إلى الإطماء (Siltation) ونمو الحشائش والمخلفات داخل بعض القطاعات، الأمر الذي أدى إلى انخفاض المقطع الهيدروليكي الفعال (Effective Hydraulic Cross-Section) وارتفاع مناسيب المياه (Water Levels) وبقاء المياه في منطقة الجذور لفترات أطول من الحدود الزراعية المقبولة.
وفي المقابل، فإن المساحات التي لم تتعرض للغمر تواجه خطراً متزايداً من الإجهاد المائي (Water Stress) مع نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، وهي مرحلة حرجة تتطلب انتظام الإمداد المائي وفقاً للاحتياجات المائية للمحصول (Crop Water Requirements – CWR) ومعدلات الاستهلاك المائي (Crop Evapotranspiration – ETc)، مع المحافظة على رطوبة منطقة الجذور ضمن الحدود المناسبة للنمو.
المشكلة هنا ليست فقط في توفر مصدر المياه، وإنما في كفاءة المنظومة الهيدروليكية (Hydraulic System Efficiency) وقدرتها على نقل وتوزيع المياه. فالتصرف المتاح عند المصدر (Available Discharge – Q) قد لا يصل إلى الحقل بنفس الكفاءة بسبب الفواقد أثناء النقل (Conveyance Losses)، والتي تشمل التسرب (Seepage Losses)، والتبخر (Evaporation Losses)، والتسرب من المنشآت، إضافة إلى الفواقد الناتجة عن سوء التشغيل أو ضعف التحكم.
ومن الضروري في هذا السياق قياس التصرف (Discharge) والمناسيب (Water Levels) وسرعات الجريان (Flow Velocity) في النقاط الحرجة بالشبكة، ومقارنة التصرف التصميمي (Design Discharge) بالتصرف الفعلي (Actual Discharge)، للوصول إلى تقدير واقعي لكفاءة نقل المياه (Conveyance Efficiency) وكفاءة التوصيل (Application/Delivery Efficiency) وكفاءة توزيع المياه (Distribution Efficiency).
كما أن حالة القنوات والمنشآت تؤثر بصورة مباشرة في الأداء الهيدروليكي. فتدهور القطاعات الترابية (Canal Section Deterioration)، والانهيارات الجانبية (Bank Failures)، والتسرب (Seepage)، والإطماء (Sedimentation)، ونمو الحشائش المائية (Aquatic Weed Growth) كلها عوامل تقلل من القدرة الاستيعابية للقنوات (Channel Carrying Capacity) وتؤثر في انتظام التصرف والمناسيب.
أما منشآت التحكم (Control Structures)، فتشمل البوابات (Gates)، والهدارات (Weirs)، والمنشآت الرأسية (Drop Structures)، ومآخذ القنوات (Off-takes)، ومنشآت قياس التصرف (Flow Measurement Structures). وتقادم هذه المنشآت أو خروجها عن الخدمة أو ضعف صيانتها يؤدي إلى فقدان القدرة على التحكم الدقيق في المناسيب والتصرفات، وبالتالي اختلال عملية توزيع المياه بين القطاعات.
ومن الناحية التشغيلية، فإن إدارة الشبكة تحتاج إلى تطبيق مفهوم جدولة الري (Irrigation Scheduling) بناءً على الاحتياجات الفعلية للمحصول، وليس على التوزيع الزمني الثابت للمياه فقط، مع مراعاة التبخر-نتح المرجعي (Reference Evapotranspiration – ETo)، ومعامل المحصول (Crop Coefficient – Kc)، وعمق منطقة الجذور (Root Zone Depth)، والرطوبة المتاحة للتربة (Available Soil Moisture)، ومرحلة النمو (Crop Growth Stage).
وفي منظومة الصرف، يجب تحديد التصرف التصميمي للمصرف (Design Drainage Discharge)، والقدرة الاستيعابية (Drainage Capacity)، والمناسيب الحرجة (Critical Water Levels)، والقطاعات التي تعاني من الاختناق (Flow Restrictions)، مع إعادة القطاع الهيدروليكي للمصارف (Hydraulic Section Rehabilitation) وإزالة الإطماء والحشائش والمخلفات لضمان سرعة تصريف المياه الزائدة.
أما على مستوى الإدارة المائية، فينبغي الانتقال إلى مفهوم الإدارة المتكاملة للموارد المائية (Integrated Water Resources Management – IWRM)، وربط التشغيل الفعلي للشبكة بالبيانات الميدانية، من خلال نقاط قياس ثابتة (Monitoring Stations)، وقراءات دورية للتصرفات والمناسيب، ونظام لتسجيل وتحليل البيانات (Data Monitoring and Management System).
وبالنسبة للموسم الحالي، فإن الأولوية التشغيلية تتمثل في حماية المحاصيل من مخاطر الغمر (Waterlogging) والإجهاد المائي (Water Stress) في الوقت نفسه، وذلك من خلال معالجة اختناقات المصارف، ورفع كفاءة الصرف، وتقليل الفواقد المائية، واستعادة كفاءة القنوات، وصيانة البوابات والهدارات والمنشآت الرأسية، وضبط التصرفات والمناسيب، ثم تطبيق برنامج توزيع مياه (Water Allocation Plan) يتوافق مع المساحات المزروعة والاحتياجات المائية للمحاصيل.
أما غياب محصول القطن (Cotton Crop) عن المشروع لمدة خمسة مواسم زراعية متتالية، فيمثل مؤشراً على اختلال الدورة الزراعية (Cropping Pattern/Crop Rotation)، ويستوجب دراسة الأسباب الفنية والاقتصادية والتمويلية والتسويقية، بما في ذلك تكلفة وحدة الإنتاج (Unit Production Cost)، والعائد الاقتصادي (Economic Return)، وتوفر المدخلات (Agricultural Inputs)، والتمويل الزراعي (Agricultural Finance)، وسلاسل القيمة (Value Chain)، وإمكانية تطبيق الزراعة التعاقدية (Contract Farming).
والزراعة التعاقدية يمكن أن تكون إحدى آليات إعادة بناء المنظومة الإنتاجية، بشرط أن تقوم على عقود ملزمة (Binding Contracts)، وتحديد مواصفات الجودة (Quality Standards)، وآلية واضحة للتسعير (Pricing Mechanism)، وتوفير التمويل والمدخلات (Input and Credit Provision)، وضمان التسويق (Market Access)، مع تحديد واضح للمخاطر والمسؤوليات بين المنتج والجهة المتعاقدة.
الخلاصة الفنية
المشكلة الحالية بمشروع السوكي ليست مجرد نقص في المياه (Water Scarcity)، وإنما انخفاض في الكفاءة الهيدروليكية والتشغيلية (Hydraulic and Operational Efficiency) لمنظومة الري والصرف، بما يشمل النقل (Conveyance)، والتوصيل (Delivery)، والتوزيع (Distribution)، والتحكم (Control)، والقياس (Measurement)، والصرف (Drainage).
لذلك فإن إنقاذ الموسم الحالي يتطلب تدخلاً هندسياً وتشغيلياً عاجلاً (Emergency Engineering and Operational Intervention)، بينما تتطلب استدامة المشروع برنامجاً متكاملاً لـإعادة التأهيل الهيدروليكي (Hydraulic Rehabilitation) وتحديث منظومة التحكم (Control System Modernization) ورفع كفاءة استخدام المياه (Water Use Efficiency – WUE)، وصولاً إلى منظومة ري وصرف قادرة على توفير المياه في الكمية والتوقيت والمكان المناسب (Right Quantity, Right Time, Right Place)، وهي القاعدة الأساسية لاستعادة الاستقرار والإنتاجية الزراعية للمشروع.
خاتمة
إن استقرار الموسم الزراعي الحالي بمشروع السوكي يتطلب التعامل مع منظومة الري والصرف باعتبارها وحدة هيدروليكية متكاملة، تجمع بين كفاءة النقل والتوزيع والتحكم والقياس والصرف. وعليه، فإن التدخل العاجل يجب أن يركز على معالجة الاختناقات ورفع كفاءة القنوات والمنشآت وضبط التصرفات والمناسيب، بالتوازي مع بناء برنامج طويل الأجل لإعادة التأهيل والتحديث ورفع كفاءة استخدام المياه، بما يعيد للمشروع قدرته على تحقيق إنتاج زراعي مستقر ومستدام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.