تحولت بوابات مراكز مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في مصر، ولا سيما في مدينة السادس من أكتوبر، إلى مشهد يومي من الازدحام والانتظار، وسط شكاوى متصاعدة من لاجئين وطالبي لجوء بشأن بطء الإجراءات، وسوء التنظيم، وطول ساعات الانتظار، وما يصفه متضررون بالتعسف في التعامل مع بعض طلبات تحديث البيانات وإغلاق الملفات.
ومنذ ساعات الفجر، يتوافد المراجعون إلى محيط مراكز المفوضية، ويصطف كثيرون منذ السادسة صباحاً أملاً في إنجاز معاملات تبدو بسيطة، قبل أن تنتهي ساعات الانتظار بالنسبة لبعضهم دون نتيجة واضحة، في مشهد يختصره المراجعون بعبارة: «مكانك صفر».
طوابير من السادسة صباحاً.. والانتظار بلا نهاية
يقول لاجئون وطالبو لجوء لـ»عين الحقيقة» إن الوقوف لساعات طويلة تحت أشعة الشمس وفي ظروف جوية قاسية أصبح جزءاً من تجربتهم المتكررة أمام مراكز المفوضية، بينما تظل آليات الدخول والحصول على الخدمة غير واضحة لكثير من المراجعين.
وتتضاعف المعاناة مع غياب مسارات سريعة وواضحة للمعاملات الإدارية، مثل تحديث البيانات، وتجديد الوثائق، واستلام المستندات، أو تقديم طلبات إغلاق الملفات طوعياً للراغبين في المغادرة أو تغيير أوضاعهم.
وبحسب شكاوى متداولة بين المراجعين، فإن بعض هذه الإجراءات تستغرق فترات طويلة، رغم أن أصحابها يرون أنها لا تتطلب كل هذا التعقيد أو الانتظار.
إغلاق الملفات بطيء.. والتسجيل الجديد أسرع
من أبرز نقاط الغضب ما يصفه لاجئون بـ«التناقض في سرعة الإجراءات».
ففي الوقت الذي يواجه فيه الراغبون في تحديث ملفاتهم أو إغلاقها تأخيرات وصعوبات، يقول متضررون إن إجراءات تسجيل طالبي اللجوء الجدد تبدو أكثر سرعة وانتظاماً.
ودفعت هذه المفارقة بعض اللاجئين والنشطاء إلى التشكيك في أولويات المفوضية، متسائلين عما إذا كان التركيز على تسجيل أعداد جديدة يأتي على حساب تحسين الخدمات المقدمة للمسجلين بالفعل.
وتبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى توضيح رسمي من المفوضية، خصوصاً بشأن أسباب تفاوت سرعة الإجراءات، وحجم المعاملات المتراكمة، والآليات المتبعة لمعالجة طلبات إغلاق الملفات وتحديث البيانات.
معاملة جافة.. وتنظيم يفاقم الأزمة
ولا تتوقف الشكاوى عند حدود التأخير، بل تمتد إلى أسلوب التعامل مع المراجعين.
ويصف بعض المنتظرين تعامل أفراد الأمن والتنظيم عند البوابات بأنه جاف ومهين في بعض الحالات، مع نقص في المعلومات المتعلقة بمواعيد الدخول، وتوزيع الأرقام، وأسباب التأخير.
كما يؤدي غياب مسارات منفصلة للمعاملات السريعة إلى اختلاط الطوابير وتزايد الازدحام، بينما يجد المراجعون أنفسهم لساعات في محيط المراكز دون معلومات كافية حول موعد حصولهم على الخدمة.
المشكلة، وفقاً لشكاوى المنتظرين، ليست في وجود أعداد كبيرة من المراجعين فحسب، وإنما في غياب تنظيم أكثر إنسانية وشفافية يضمن حصول طالب اللجوء على معلومة واضحة وموعد محدد ومسار يمكن الوثوق به.
انتقال الاختصاصات.. واللاجئ يدفع الثمن
تأتي هذه الأزمة في توقيت حساس، بالتزامن مع التحولات المرتبطة بتطبيق قانون لجوء الأجانب في مصر، ونقل عدد من الاختصاصات الإدارية والرقابية إلى الجهات المصرية المعنية بشؤون اللاجئين.
وفي ظل هذه المرحلة الانتقالية، تبرز الحاجة إلى تنسيق أكثر وضوحاً بين الجهات المعنية، بدلاً من ترك اللاجئين عالقين بين إجراءات متغيرة وطوابير ممتدة.
فالانتقال المؤسسي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر مفتوح لتعطيل مصالح الناس، كما لا ينبغي أن تنتقل الأعباء بين المؤسسات بينما يبقى اللاجئ الحلقة الأضعف في منظومة يفترض أن تقوم أساساً على الحماية وصون الكرامة.
المطلوب.. حلول تنهي طوابير الفجر
المشهد أمام مراكز المفوضية يطرح أسئلة جدية حول كفاءة إدارة الملفات، وشفافية الإجراءات، وقدرة المنظومة الحالية على التعامل مع الأعداد المتزايدة دون تحميل اللاجئين كلفة التعقيدات الإدارية.
والمطلوب ليس مزيداً من المواعيد المؤجلة أو البيانات التبريرية، وإنما نظام واضح للمواعيد، ومسارات منفصلة للمعاملات، وخدمات رقمية فعالة، وآلية معلنة للشكاوى، وتعامل يحفظ كرامة المراجعين.
أما استمرار طوابير الفجر، وتعطيل المعاملات، وترك المراجعين لساعات بلا معلومات، فيضع المفوضية أمام سؤال لا يمكن تجاهله:
إذا كانت حماية اللاجئ تبدأ بصون كرامته.. فكيف أصبح الانتظار والإهانة جزءاً من رحلة الحصول على الخدمة؟
ما يحدث أمام مراكز المفوضية لم يعد مجرد أزمة تنظيم أو ضغط أعداد؛ بل بات يعكس خللاً في طريقة التعامل مع أشخاص يفترض أن تكون كرامتهم وحمايتهم في صميم عمل المؤسسة.
فحين يُترك اللاجئ منذ الفجر تحت الشمس، ويُعامل ببرود، ويُدفع بين الطوابير والأبواب دون معلومة واضحة، فإن المشكلة لا تعود في النظام وحده، بل في عقلية بعض الموظفين والقائمين على تنظيم الخدمة.
والأخطر أن تتحول بعض مظاهر الجفاء والتعالي إلى سلوك اعتيادي تجاه أشخاص يعيشون أصلاً ظروفاً قاسية، وكأن طالب اللجوء مطالب بالصمت وتحمل الإهانة لمجرد أنه يحتاج إلى خدمة تقدمها جهة يفترض أن تكون ملاذاً للحماية لا مصدراً جديداً للمعاناة.
المفوضية مطالبة بأن تتوقف عن التعامل مع شكاوى اللاجئين باعتبارها مجرد ضوضاء أمام البوابات، وأن تراجع أداء موظفيها وآليات استقبال المراجعين، وأن تفتح تحقيقاً جدياً في أي إساءة أو تعسف أو تعطيل غير مبرر للمعاملات.
فالمؤسسة التي تطالب الآخرين باحترام حقوق اللاجئين لا يمكن أن تتسامح مع انتهاك كرامتهم داخل مراكزها. وإذا كانت طوابير الفجر أصبحت مشهداً متكرراً، فإن المسؤولية لم تعد قابلة للتهرب منها بالتبريرات الإدارية.
اللاجئ ليس رقماً في طابور، والموظف ليس صاحب سلطة على كرامته؛ ومن يفشل في فهم هذه القاعدة، يفشل في جوهر المهمة التي جاء لخدمتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.