قراءة في وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب؛ “عملية السلام التي نريد”

علاء خيراوي

 

■ ربما تكون أهم قيمة سياسية في وثيقة “عملية السلام التي نريد”، الصادرة اليوم ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ عن اجتماع القوى المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أطرافها في أديس أبابا، أنها حاولت أن تنقل معسكر السلام من موقع الاعتراض على الحرب إلى موقع اقتراح البديل؛ ومن تكرار العبارة الصحيحة أخلاقياً “لا للحرب” إلى السؤال الأصعب سياسياً؛ كيف تتوقف الحرب؟ ومن يفاوض من؟ وعلى ماذا؟ وتحت أي مظلة؟ وماذا يحدث في اليوم التالي لصمت البنادق وهذا، في تقديري، هو المدخل الصحيح لقراءة الوثيقة؛ لا باعتبارها بياناً سياسياً آخر يضاف إلى مئات البيانات التي أنتجتها سنوات الأزمة السودانية، وإنما باعتبارها محاولة أولية لصياغة “هندسة سلام” في مواجهة هندسة الحرب والأمر الواقع. وقد صدرت عقب اجتماعات أديس أبابا يومي ٢٢ و٢٣ أغسطس بمشاركة قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزب المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، وشبكات نسوية وشبابية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات عامة.

■ أول ما يستوقفني في الوثيقة هو تعريفها للمشكلة قبل تقديم الحل. فالخلاف حول دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لما أسماه “الحوار السوداني السوداني” ليس، كما تحاول بعض الأصوات تصويره، خلافاً بين من يريدون الحوار ومن يرفضونه؛ فهذه صياغة مضللة للمسألة. السؤال ليس؛ هل نتحاور أم لا؟ السؤال هو؛ أي حوار؟ ومن يدعو إليه؟ وتحت أي شروط؟ وفي أي بيئة؟ ولأي غاية؟ وهنا أصابت الوثيقة في مقتل عندما فرقت بين “الحوار” و”عملية السلام”. فالسلام في بلد يعيش حرباً بهذا الحجم لا يبدأ بتجميع سياسيين في قاعة، ولا بتشكيل لجنة تحضيرية، ولا بتوزيع بطاقات الدعوة؛ وإنما يبدأ أولاً بإيقاف آلة الموت، وحماية المدنيين، وإدخال الغذاء والدواء، ثم بناء ترتيبات لوقف إطلاق النار، وفتح مسار سياسي يعالج الأسباب التي جعلت السودان ينتقل من حرب إلى حرب منذ استقلاله. وهذه ليست مجرد وجهة نظر نظرية؛ فالخماسية نفسها أعلنت في أبريل ٢٠٢٦ التزامها بحوار سياسي سوداني شامل يستهدف إنهاء الحرب ووضع أساس لانتقال سياسي سلمي، كما أكدت في مشاوراتها اللاحقة أن العملية ينبغي أن تكون سودانية القيادة والملكية.

■ أما أقوى ما جاء في رفض “حوار البرهان”، في تقديري، فهو حجة الجغرافيا السياسية للحوار. فالوثيقة تقول، بصورة شديدة الذكاء، إن عقد حوار قومي داخل مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب وتحت سلطته ليس مجرد اختيار لمكان انعقاد الاجتماع؛ وإنما يحمل اعترافاً ضمنياً بخريطة السيطرة التي صنعتها الحرب.

وهذه مسألة أخطر كثيراً مما تبدو عليه.

لأن السودان اليوم لا يحتاج إلى “حوار مناطق سيطرة”؛ يحتاج إلى عملية تعيد إنتاج السودان باعتباره وطناً واحداً. فإذا أقام الجيش حواره داخل المساحة التي يسيطر عليها، وأقامت القوى الموجودة في مناطق الدعم السريع حوارها هناك، فإننا نكون قد انتقلنا دون أن نشعر من خطوط تماس عسكرية إلى حدود سياسية؛ ومن واقع عسكري مؤقت إلى شرعيات متنافسة. وهنا تحديداً يصبح رفض الحوار بهذه الصيغة دفاعاً عن وحدة السودان، وليس رفضاً لمبدأ الحوار.

■ لكن الوثيقة تذهب أبعد من ذلك عندما تضع مسارات ثلاثة متزامنة؛ الإنساني، ووقف إطلاق النار، والسياسي. وهذه، عندي، واحدة من أكثر نقاطها نضجاً. فقد ارتكب السودانيون والمجتمع الدولي مراراً خطأ التعامل مع هذه الملفات باعتبارها غرفاً منفصلة؛ يتحدث السياسيون في السياسة، والعسكريون في وقف إطلاق النار، والمنظمات في الإغاثة، ثم ننتظر بطريقة سحرية أن تلتقي النتائج في النهاية. لن يحدث ذلك. الجوع جزء من الحرب. والنزوح جزء من الحرب. والممر الإنساني جزء من معادلة السيطرة. ووقف إطلاق النار مرتبط بالترتيبات السياسية. والترتيبات السياسية لا يمكن أن تستقر ما لم توجد إجابة عن سؤال السلاح والدولة والجيش. ولهذا فإن ربط المسارات الثلاثة ليس مجرد ترتيب فني جيد، بل اعتراف بطبيعة الأزمة السودانية نفسها.

■ وأكثر ما أراه مهماً في الوثيقة أنها أعادت تعريف موقع العسكريين داخل العملية السياسية. فهي لم تقل بإقصاء القوات المسلحة والدعم السريع من عملية إنهاء الحرب؛ فهذا غير واقعي، لأن من يحمل السلاح ويقاتل لا يمكن توقيع وقف إطلاق نار من دونه. لكنها في المقابل لم تمنحهما حق تقرير مستقبل الدولة لمجرد أنهما يحملان السلاح. وهذا فرق بالغ الأهمية. فالجيش والدعم السريع طرفان ضروريان في مسار وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والمسائل الإنسانية المرتبطة بالحرب، ولكنهما لا ينبغي أن يتحولا بسبب امتلاكهما البنادق إلى جمعية تأسيسية تكتب دستور السودان وتحدد نظام حكمه وتختار حكومته.

بعبارة أخرى؛ من يملك السلاح يفاوض على إسكاته؛ لكنه لا يكتسب من السلاح حقاً إضافياً في تقرير شكل الدولة. وهذه واحدة من أهم القواعد التي ينبغي الدفاع عنها في أي عملية سلام قادمة.

■ لكن الوثيقة تدخل منطقة أكثر حساسية عندما تحدد الأطراف السياسية في ثلاثة اتجاهات؛ القوى المناهضة للحرب، والقوى المصطفة مع الجيش، والقوى المصطفة مع الدعم السريع. وأعتقد أن هذه الصياغة تحتاج مستقبلاً إلى قدر كبير من الضبط. فهي واقعية لأنها تعترف بأن المجتمع السياسي السوداني قد انقسم بالفعل بفعل الحرب، ولكن الخطر هو أن تتحول هذه التصنيفات من وصف لواقع مؤقت إلى حصص سياسية ثابتة. السودان أكبر من ثلاثة معسكرات. هناك لجان المقاومة، والنقابات، والقوى المهنية، والحركات الاجتماعية، والمجتمعات المحلية، والنساء والشباب، والنازحون واللاجئون، وسودانيو المهجر، وأعداد هائلة من المواطنين الذين لا ينتمون أصلاً إلى أي تنظيم سياسي. لذلك أحسنت الوثيقة عندما نصت على تمثيل هذه الفئات؛ لكن التحدي الحقيقي سيكون في كيفية تمثيلها، لا مجرد كتابة أسمائها في الوثيقة. فالشيطان السوداني يقيم دائماً في تفاصيل “من يمثل من؟”.

■ وتبقى قضية استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية واحدة من أكثر نقاط الوثيقة وضوحاً، وأكثرها إثارة للجدل أيضاً. الوثيقة لا تتعامل مع النظام السابق باعتباره مجرد حزب سياسي اختلف معه السودانيون في الانتخابات؛ وإنما باعتباره منظومة حكم أسقطتها ثورة ديسمبر بعد ثلاثين عاماً، ثم أعادت شبكاتها تنظيم نفسها داخل مؤسسات الدولة والمجال العسكري والأمني. ولهذا فإن السؤال هنا ليس سؤال حرية سياسية مجردة؛ بل سؤال؛ هل يجوز لعملية انتقال تنهي حرباً وتعيد تأسيس الدولة أن تعيد إنتاج القوة التي قامت الثورة أصلاً لإزالة نظامها؟ ومع ذلك، ينبغي التفريق بدقة بين تفكيك منظومة التمكين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ومنع التنظيمات المسلحة والواجهات التي تعمل لاستعادة النظام بالقوة، وبين تحويل الإقصاء إلى مبدأ مفتوح يمكن استخدامه مستقبلاً ضد أي خصم سياسي. فالعدالة يجب أن تكون مؤسسة على القانون والمسؤولية الفردية والمؤسسية والأفعال، لا على الانتقام السياسي. وهذه نقطة تحتاج الوثيقة إلى تطويرها في مراحلها اللاحقة.

■ أما في ملف الوساطات الخارجية، فالوثيقة تتقدم خطوة سياسية مهمة للغاية. فهي لا تكتفي بإعلان التأييد لخارطة طريق الرباعية الصادرة في ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥، وإنما تحاول تحديد العلاقة بين الرباعية والخماسية والترويكا. وهذا مهم لأن أزمة السودان لم تعد تعاني فقط من تعدد أطراف الحرب؛ بل من تعدد مطابخ السلام أيضاً. والرباعية ـ الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات ـ طرحت في سبتمبر ٢٠٢٥ مساراً يبدأ بهدنة إنسانية لثلاثة أشهر تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار ثم عملية انتقالية شاملة، وهو ما يفسر اعتبار الوثيقة لها المرجعية الأفضل المتاحة حالياً. وفي المقابل، تتكون الخماسية من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وإيغاد، وقد كثفت بالفعل مشاوراتها مع القوى السودانية خلال ٢٠٢٦ سعياً إلى بناء عملية سياسية أوسع. بل إن تقريراً أممياً صدر هذا العام وصف الوظيفة المختلفة للمسارين بوضوح؛ الرباعية تكثف جهود الهدنة الإنسانية، بينما تعمل الخماسية على تعزيز التماسك حول العملية السياسية الأوسع وتسوية النزاع. وهنا تضع الوثيقة يدها على علة مزمنة في الوساطات السودانية؛ تعدد المنابر. فكلما تعددت المنابر تعددت فرص أطراف الحرب في المناورة بينها. وكلما اختلف الوسطاء بحث كل طرف سوداني عن الوسيط الأقرب إلى موقفه. وبذلك يتحول المجتمع الدولي، بدلاً من أن يكون قوة ضغط لإنهاء الحرب، إلى سوق دبلوماسية يختار منها المتحاربون العرض الأنسب. ولهذا فإن الدعوة إلى إطار منسق يجمع الرباعية والخماسية والترويكا ليست تفصيلاً دبلوماسياً؛ ربما تكون أحد أهم شروط نجاح أي تسوية قادمة.

■ لكن لدي ملاحظة جوهرية على الوثيقة كلها. فهي قوية جداً في الإجابة عن سؤال؛ ما عملية السلام التي نريد؟ لكنها أقل تفصيلاً في الإجابة عن السؤال الأصعب؛ كيف نفرض هذه العملية على من لا يريدونها؟ فالسلام لا ينتصر لأنه أكثر أخلاقية من الحرب. ولا تتوقف المدافع لأن وثيقة سياسية جيدة أثبتت أن وقفها أكثر عقلانية. هناك مصالح ضخمة نشأت حول الحرب؛ سلطات، وأموال، وموارد، وشبكات اقتصادية، ونفوذ إقليمي، ومليشيات، وقادة صنعتهم الحرب وربما ينتهي مستقبلهم السياسي بانتهائها. ومن هنا فإن الوثيقة تحتاج في مرحلتها التالية إلى الانتقال من تصميم عملية السلام إلى استراتيجية صناعة ميزان القوى الذي يجعل السلام ممكناً. كيف يُبنى الضغط الشعبي؟ كيف تُوحّد القوى المناهضة للحرب؟ كيف يجري التعامل مع داعمي الطرفين إقليمياً؟ ما أدوات العقوبات والمساءلة الدولية؟ ما الضمانات لتنفيذ وقف إطلاق النار؟ من يراقبه؟ ومن يعاقب من يخرقه؟ وكيف نمنع المتحاربين من استخدام الهدنة لإعادة التسليح والتموضع ثم العودة إلى الحرب؟ هذه ليست أسئلة جانبية؛ هذه هي المسافة بين الوثيقة والواقع.

■ كما أن أجندة العملية السياسية الواردة في الوثيقة واسعة جداً؛ وربما أوسع مما تحتمله مفاوضات إنهاء حرب. نظام الحكم، والدين والدولة، والهوية، والمواطنة، والعدالة، والجيش، والأرض، واللاجئون، والإعمار، والتعليم، والصحة، والدستور، والانتخابات، والفترة الانتقالية. كلها قضايا حقيقية ومهمة. لكن محاولة حل كل سؤال تاريخي سوداني داخل طاولة واحدة قد تحول عملية السلام نفسها إلى مؤتمر تأسيسي بلا نهاية. ولذلك أعتقد أن التحدي سيكون في ترتيب الأولويات؛ ما الذي يجب الاتفاق عليه لإنهاء الحرب؟ وما الذي يجب الاتفاق عليه لإدارة الانتقال؟ وما الذي ينبغي تركه للسودانيين في عملية دستورية ديمقراطية أوسع بعد استعادة الدولة؟ فليس من الحكمة أن نحاول حل أزمة السودان منذ سنار إلى اليوم قبل أن نوقف المدفع الذي يقتل السودانيين هذا المساء.

■ ومع ذلك، فإن القيمة الكبرى لهذه الوثيقة أنها تعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي. لا البرهان يملك وحده حق تحديد من يتحاور. ولا حميدتي يملك حق صناعة مستقبل سياسي من واقع سيطرته العسكرية. ولا القوى المدنية ينبغي أن تنتظر دعوة من صاحب بندقية لكي تصبح طرفاً في تقرير مستقبل وطنها. ولا المجتمع الدولي ينبغي أن يقرر للسودانيين شكل دولتهم. المعادلة التي تقترحها الوثيقة، في جوهرها، بسيطة رغم تعقيد تفاصيلها؛ العسكريون ينهون الحرب، والمدنيون يصنعون السياسة، والشعب يقرر في النهاية شكل الدولة. وهذا هو الترتيب الذي قلبته التجربة السودانية مراراً؛ فأصبح حامل البندقية يحدد السياسة، ثم يدعو المدنيين لاحقاً ليمنحوه الشرعية.

■ ولعل أكثر ما ينبغي البناء عليه بعد أديس أبابا هو أن اجتماع القوى المناهضة للحرب لا يتحول إلى نادٍ سياسي جديد، ولا إلى تحالف آخر يضاف إلى قائمة التحالفات السودانية التي تبدأ كبيرة ثم تنقسم حول الأسماء والمقاعد والتمثيل. قيمته الحقيقية ستكون في قدرته على توسيع قاعدة السلام. أن يصل إلى الناس داخل السودان. إلى غرف الطوارئ. إلى النقابات، إلى النساء، إلى الشباب، إلى النازحين واللاجئين، إلى المجتمعات التي دفعت ثمن الحرب ولم تُدعَ يوماً إلى طاولات السياسة، وأن يتحول شعار “عملية السلام التي نريد” من وثيقة وقعتها النخب في أديس أبابا إلى مطلب شعبي داخل السودان نفسه.

■ في تقديري، نحن أمام وثيقة مهمة، ليست كاملة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها نصاً مقدساً أو وصفة نهائية للحل؛ لكنها تتفوق على كثير مما طُرح خلال السنوات الماضية لأنها تبدأ من السؤال الصحيح؛ كيف ننهي الحرب دون أن نمنح الحرب حق صناعة المستقبل وهذا هو جوهر المعركة السياسية القادمة. فالخطر على السودان لم يعد فقط استمرار القتال. الخطر الأكبر أن تنتهي الحرب ذات يوم، ثم نكتشف أن البنادق التي دمرت الوطن هي نفسها التي جلست لتصميم الوطن الجديد. لهذا فإن “عملية السلام التي نريد” ينبغي ألا تعني فقط وقف إطلاق النار؛ وإنما تغيير المعادلة التي أنتجت الحرب أصلاً؛ دولة لا يعلو فيها جيش على إرادة شعب، ولا مليشيا على الدولة، ولا تنظيم على الوطن، ولا بندقية على السياسة. وعندما يتحقق ذلك فقط نستطيع القول إننا لم نوقف حرب الخامس عشر من أبريل فحسب؛ بل بدأنا أخيراً في إغلاق الباب الذي ظلت حروب السودان تدخل منه واحدة بعد أخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.