السودان بين إفراط العسكر وتفريط الساسة.. وطنٌ على حافة الهاوية

بقلم: يوسف عز الدين

منذ فجر الاستقلال في يناير 1956، يعيش السودان داخل حلقة مفرغة صاغت مأساته الحديثة، حلقة تدوّرها قوتان أوردتا البلاد موارد الهلاك: إفراط العسكر وتفريط الساسة.

لقد أفرطت المؤسسة العسكرية في تجاوز مهامها الدستورية، فاستمرأت الدبابات اقتحام القصر الجمهوري مع كل بادرة أزمة. تحول قادة الجيش من حماة للحدود إلى مدمني سلطة، ومارسوا شتى أنواع القمع والبطش الممنهج، وحولوا موارد الدولة الشحيحة من حقول التنمية والصحة والتعليم إلى ترسانات لحروب عبثية داخلية، وُجّهت فوهاتها نحو صدور المواطنين، فتمزق النسيج الاجتماعي، وانفصل الجنوب، وضاع الأمان.

وفي المقابل، جاء تفريط النخب السياسية والمدنية ليمهد الطريق لهذا التغول العسكري. تفريطٌ تجسد في المحاصصات الحزبية الضيقة، والصراعات الطائفية العقيمة، وتقديم المصالح الشخصية والتنظيمية على قضايا الوطن الاستراتيجية.

ساسةٌ أدمنوا الخلافات، وأتقنوا الفشل في إدارة التنوع، فكانوا كلما عجزوا عن التوافق الديمقراطي، قدموا رقاب الوثائق الدستورية قرباناً لانقلاب جديد.

بين إفراط البندقية وتفريط النخب، ضاع السودان، واختُطفت أحلام جيل ديسمبر. إن المخرج الوحيد من هذه الهاوية يكمن في كسر هذه الثنائية القاتلة، بعودة العسكر إلى الثكنات خاضعين لسلطة مدنية، وبناء نخبة سياسية جديدة تمتلك الوعي والمسؤولية لإنتاج مشروع وطني حقيقي ينقذ ما تبقى من أشلاء الوطن.

السودان إلى أين؟ بين إفراط العسكر وتفريط المدنيين

لم يعد السؤال اليوم في الشارع السوداني يدور حول شكل الحكومة القادمة، أو مخرجات جولات التحاور، أو الدعوات والمنابر، بل بات سؤالاً حارقاً يمس مآلات البقاء، نطق به لسان حال المواطن المكلوم:

إلى متى هذا الحال؟

وإلى أين يمضي السودان؟

بعد أن تجمعت عليه خطوب الأرض والسماء، فإننا لا نعيش مجرد جولة جديدة من عدم الاستقرار السياسي، بل نواجه معركة وجودية شرسة ومكتملة الأركان، يتواطأ فيها عدو الخارج مع عميل الداخل لإلغاء وطن وشعب اسمه السودان، ومحو هويته الضاربة في عمق التاريخ.

منذ اندلاع هذا الحريق، تحول الوطن إلى مسرح لطواحين الفناء، حيث يتشابك النزوح المليوني المرعب مع الفقر المدقع الذي طحن عظام الأسر، لينتج عن هذا المزيج انهيار كامل لجميع قطاعات الخدمات الحيوية.

يواجه المواطن السوداني حرباً صامتة لا تقل ضراوة عن دوي المدافع؛ فقد تحولت المستشفيات إلى ثكنات أو ركام مهجور، وانعدمت الأدوية المنقذة للحياة، مما فتح الباب مشرعاً أمام تفشي أمراض معدية وحميات فتاكة تحصد أرواح الأطفال والنساء بلا هوادة.

وعلى الجانب التعليمي، هرب الطباشير من الفصول، وخيم الجهل على أجيال كاملة، وتلاشت خطط التنمية، لتتحول شبكات المياه والكهرباء والاتصالات إلى ذكريات من الماضي.

وفي تعميق مرعب للمأساة الإنسانية، أطبقت سحب الجفاف على الأفق، وشح المطر، وأمسكت السماء ماءها، ليجتمع شح الأرض وجفاف الوديان، وحصدنا من ذلك، عن طريق إفلاس النخب، تشويهاً ممنهجاً للشخصية السودانية.

أما على جبهة الوعي، فقد شهدت الساحة إفلاساً تنظيرياً وفكرياً حاداً من النخب الفكرية والسياسية التي تفرغت للمزايدات.

تساؤلات حارقة في وجه الإفراط والتفريط. أمام هذا المشهد القاتم، تتناسل علامات الاستفهام لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية:

أين المخرج؟

والسودان يترنح اليوم بين إفراط قادة عسكريين استأثروا بالقرار دون تقدير لحجم الألغام المزروعة تحت الأقدام، وبين تفريط نخب مدنية رهنت إرادتها لـ«عملاء السفارات»، كما يصفها الجانب الآخر، وللإمبريالية العالمية، ولهثت وراء كراسي السلطة على حساب دماء الشعب وسيادة البلاد؟

كيف السبيل إلى استعادة الوعي وبناء الصف؟

في وقت يتطلع فيه المواطن إلى بصيص أمل يُنهي مأساته، بينما ينبري أدعياء السياسة لإشعال معارك جانبية باطلة، وتوجيه خناجرهم المسمومة نحو عقيدة الأمة وهويتها المتماسكة؟

ويتبلور تفريط القوى المدنية من خلال سعيها منذ أمد بعيد، وهي طوق نجاة وسط أمواج عاتية، ويُعد هذا صراخاً في وادٍ عميق، مما يجعل الأطروحات السياسية تبدو ترفاً نظرياً.

ويظهر في المقابل إفراط العسكر، ومن أجل المحافظة على التربع في عرش السودان، وقد قوبل ذلك بحملات إعلامية ممنهجة، إذ جرى تصوير دعوات السلام كنوع من العمالة منذ الاستقلال، مما يجعل الوطن والمواطن رهينةً مغلوباً ومكلوماً.

هل السودان ملك لليمين وحده؟

من القضايا الشائكة في المشهد السوداني تصنيف المجتمع وفق ثنائية اليمين واليسار، وكأن السودان بات ملكاً لتيار واحد يرى في نفسه حامي حمى الوطن، وينظر إلى غيره كيسار منبت الصلة بالواقع.

لم يعد الصراع الراهن في السودان صراعاً فكرياً بين العلمانية والإسلام السياسي، بل هو صراع بقاء بين هذا وذاك.

ويتلخص الخروج من الإفراط والتفريط بقبول الآخر؛ فالتنوع الإثني والثقافي والجغرافي لا يمكن اختزاله في تيار أيديولوجي ضيق. فالوطنية السودانية تتسع للجميع، وصناعة المستقبل تتطلب التخلي عن عقلية الإقصاء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.