كلما اقترب الحديث عن تسوية سياسية أو مخرج للحرب، تعود الأسئلة القديمة لتفرض نفسها من جديد: من يحاول إعادة تشكيل المشهد؟ ومن يسعى إلى استثمار الحرب للبقاء في السلطة؟ والأهم، هل تعلمت القوى السياسية من دروس الماضي، أم أنها ستسمح بإعادة إنتاج الأزمة بأسماء وعناوين مختلفة؟
في الأيام الأخيرة، تصاعدت أحاديث عن توجهات داخل الحركة الإسلامية لدعم عبد الفتاح البرهان لقيادة المرحلة المقبلة، باعتباره المظلة السياسية والعسكرية التي يمكن أن تضمن استمرار نفوذها داخل مؤسسات الدولة. وبغض النظر عن مدى دقة هذه الروايات أو تفاصيلها، فإنها تعكس مخاوف متزايدة لدى قطاع من السودانيين من أن تتحول الحرب إلى بوابة لإعادة ترتيب موازين السلطة على حساب مشروع الدولة المدنية.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية نتيجة الصراعات السياسية والانقسامات والحروب. واليوم، وبعد ما خلفته الحرب من دمار ونزوح وانهيار اقتصادي، لا يبدو مقبولاً أن تعود البلاد إلى الحلقة نفسها التي أوصلتها إلى هذا المصير.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط استمرار الحرب، بل أن تتحول نتائجها إلى وسيلة لإعادة إنتاج نظام قائم على الهيمنة والإقصاء، مهما كان الطرف الذي يقف وراء ذلك. فالسودانيون لم يخرجوا مطالبين بالتغيير لكي يجدوا أنفسهم أمام نسخة جديدة من الأزمات القديمة.
لقد أثبتت التجربة أن أي مشروع سياسي يقوم على احتكار السلطة أو توظيف مؤسسات الدولة لصالح تيار بعينه، يزرع بذور أزمة جديدة، مهما بدا قوياً في لحظة من اللحظات. فالدول لا تُدار بمنطق الغلبة، وإنما بالتوافق، وسيادة القانون، واحترام التعددية.
لكن الحديث عن رفض عودة أي تيار إلى النفوذ لا يكفي وحده. فالمسؤولية لا تقع على هذا التيار وحده، وإنما أيضاً على القوى المدنية والسياسية التي ظلت، في كثير من المحطات، أسيرة خلافاتها وتنافسها الداخلي. لقد أهدرت الانقسامات فرصاً عديدة لبناء جبهة وطنية واسعة، وتركت فراغاً استغلته القوى المسلحة وغيرها لتعزيز حضورها.
واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى وحدة القوى السياسية والمدنية حول برنامج وطني واضح، يضع وقف الحرب في مقدمة الأولويات، ويؤسس لانتقال سياسي يقوم على مؤسسات مدنية، وعدالة انتقالية، وإصلاح حقيقي للقطاع الأمني، بعيداً عن منطق المحاصصة أو إعادة توزيع النفوذ.
إن وحدة القوى المدنية ليست مجرد خيار سياسي، بل أصبحت ضرورة وطنية. فالتشرذم لن ينتج سوى مزيد من الفراغ، والفراغ تملؤه دائماً القوى الأكثر تنظيماً، وليس بالضرورة الأكثر قبولاً لدى الشارع.
لقد أثبتت ثورة ديسمبر أن السودانيين قادرون على الالتفاف حول مشروع وطني عندما تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية. واليوم، يحتاج السودان إلى استعادة تلك الروح، لأن التحدي لم يعد يتعلق بمن يحكم فقط، بل بكيفية إنقاذ الدولة نفسها من الانهيار.
إن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر إعادة إنتاج الصراعات القديمة، ولا عبر ترسيخ سلطة السلاح، بل عبر مشروع وطني يجمع السودانيين على قاعدة المواطنة وسيادة القانون، ويمنع أي محاولة لتحويل الحرب إلى وسيلة لفرض واقع سياسي جديد.
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً من دمه ومستقبله. وما يحتاجه اليوم ليس إعادة تدوير الأزمات، بل بناء دولة تتسع للجميع، وتحمي الجميع، ولا تسمح بأن يكون السلاح أو الحرب طريقاً إلى السلطة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.