«مابين الفيتو والعقوبات».. السودان ٌ يحترق ومصالح دولية تتصارع من مجلس الأمن إلى الخرطوم: حين تتحول حماية السيادة إلى غطاء لاستمرار الحرب
فاطمة علي سعيد
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان، المنعقدة في 24 أغسطس 2026، ،لم تكن جلسة إحاطة جديدة حول حرب دخلت عامها الرابع، وإنما كشفت عن عمق الصراع الدولي حول السودان، ومن يملك حق التأثير في مستقبله، ومن يدفع باتجاه الضغط على أطراف الحرب، ومن يحاول إبقاء الملف داخل دائرة النفوذ والمساومات الدولية.
وخلال الجلسة، طرحت الولايات المتحدة توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع إدراج الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر. كما دعت إلى تعزيز آليات مراقبة العقوبات وتوسيع عمل فريق الخبراء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل ستنجح العقوبات؟
السؤال الأهم:
هل يستطيع المجتمع الدولي الاستمرار في مشاهدة السودان يحترق، بينما تتحول قاعة مجلس الأمن إلى ساحة أخرى للصراع بين القوى الكبرى؟
روسيا والفيتو… قصة لم تبدأ أمس
من الخطأ التعامل مع الموقف الروسي باعتباره حدثاً طارئاً.
روسيا سبق أن استخدمت حق النقض في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار في مجلس الأمن دعا أطراف الحرب السودانية إلى وقف الأعمال العدائية وضمان وصول المساعدات الإنسانية. وكانت روسيا الدولة الوحيدة التي صوتت ضد المشروع في ذلك التصويت.
واليوم تعود موسكو إلى واجهة المشهد، مع اعتراضها على توسيع حظر السلاح ليشمل السودان بأكمله.
إذا كانت العقوبات تستهدف وقف تدفق السلاح الذي يغذي الحرب، فلماذا يُنظر إليها باعتبارها تهديداً للسيادة السودانية بدلاً من النظر إليها كأداة للضغط على أطراف الحرب؟
لا أحد يختلف على أهمية سيادة السودان ووحدته واستقلال قراره.
لكن السيادة لا ينبغي أن تتحول إلى كلمة سحرية تُستخدم لحماية من يواصلون الحرب.،، والتحصين بها.
السيادة الحقيقية تعني حماية المواطن السوداني من القتل والنزوح والجوع.
وتعني أن تكون الدولة قادرة على حماية حدودها ومؤسساتها وشعبها.
أما أن تصبح السيادة غطاءً لاستمرار تدفق السلاح، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى شعار سياسي.
الأمم المتحدة قالت في جلسة الأمس 24 أغسطس إن نحو 13 مليون شخص فروا من منازلهم، بينهم نحو 8.7 مليون نازح داخلياً، فيما وثقت مفوضية حقوق الإنسان قرابة 1400 وفاة مدنية خلال النصف الأول من عام 2026، بينهم نحو 1100 شخص قتلوا في هجمات بالطائرات المسيّرة.
فأي سيادة تلك التي لا يستطيع فيها المواطن أن يعيش آمناً في منزله؟
العقوبات وحدها لن توقف الحرب
وفي المقابل، يجب ألا يقع المجتمع الدولي في وهم آخر: أن العقوبات وحدها قادرة على إنهاء الحرب.
العقوبات يمكن أن تضغط، وتقيّد حركة السلاح والمال، وتفرض كلفة سياسية على المتورطين، لكنها لا تصنع السلام وحدها.
السلام يحتاج إلى إرادة سياسية سودانية ودولية، وإلى مسار تفاوضي جاد، وإلى وقف حقيقي للدعم العسكري الخارجي، وإلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإلى مشروع سياسي ينقل السودان من منطق القوة إلى منطق الدولة.
ولهذا فإن المطلوب ليس حظر السلاح، وإنما حظر استخدام السودان كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
الخطر الأكبر أن يتحول السودان إلى ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ، بينما يتحول السودانيون إلى مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة.
روسيا لها مصالحها.
والولايات المتحدة لها حساباتها.
والقوى الإقليمية لها أجنداتها.
لكن السودان له شعب يدفع الثمن.
والمأساة أن بعض القوى الدولية تتحدث عن السلام، بينما تستمر قنوات الدعم السياسي والعسكري والمالي لأطراف النزاع.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضح أي دولة تدعم استمرار الحرب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار المأساة السودانية.
من يحمي السودان من المتاجرة بالحرب؟
المشكلة ليست في وجود خلاف داخل مجلس الأمن حول العقوبات… السودان أصبح ملفاً دولياً تتقاطع فيه مصالح الدول الكبرى، بينما لم تتشكل حتى الآن إرادة دولية موحدة تضع مصلحة الشعب السوداني فوق حسابات النفوذ.
ولذا المطلوب من المجتمع الدولي تفضيل أو انتقاء طرف سوداني ليكون ممثلاً للدولة، ولا تحويل مجلس الأمن إلى ساحة لتبادل الاتهامات، وإنما التعامل مع أصل المشكلة
وقف الحرب، وقف تدفق السلاح، حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، ومحاسبة كل من ارتكب الجرائم، دون استثناء أو حصانة.
في النهاية، لا ينبغي أن يتحول النقاش السوداني إلى معسكرين:
معسكر مع روسيا، ومعسكر مع أمريكا.
هذه ليست معركة السودانيين.
معركة السودانيين هي معركة الخلاص من الحرب.
السودان لا يحتاج إلى حماية دولية لمواقع النفوذ، ولا إلى وصاية من قوة كبرى، ولا إلى استمرار الحرب باسم السيادة.
فقط يحتاج إلى دولة ذات سيادة حقيقية، وجيش وطني موحد، ومؤسسات مدنية ديمقراطية، وسلطة قانون، وسلام عادل لا يعيد إنتاج أسباب الحرب.
ربما تستطيع روسيا تعطيل قرار في مجلس الأمن، وقد تستطيع الولايات المتحدة الدفع بمشروع عقوبات، وريثما تتبادل القوى الكبرى الاتهامات داخل القاعة الدولية.
لكن أياً من ذلك لا يوقف رصاصة واحدة إذا لم تتوافر الإرادة السياسية لإنهاء الحرب.
السودان لا يحتاج إلى فيتو يحمي المتقاتلين، ولا إلى عقوبات تبقى حبراً على ورق.
يحتاج إلى موقف دولي صادق يقول بوضوح:
كفى حرباً.
كفى سلاحاً.
كفى تدخلاً خارجياً.
وكفى استخداماً لمعاناة السودانيين في صراعات النفوذ.
والسيادة التي لا تحمي شعبها ليست سيادة مكتملة، والعقوبات التي لا تُطبق بإنصاف ليست حلاً، والفيتو الذي يمنع الضغط على أطراف الحرب لا ينبغي أن يصبح رخصة لاستمرار النزيف.
وفي النهاية، لا روسيا ولا أمريكا ولا أي قوة دولية هي التي ستدفع ثمن هذه الحرب كما يدفعه السودانيون.
لذلك يجب أن يكون السودان أولاً.
السودان… لا الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.