هناك أماكن لا يؤلمك منظرها اليوم بقدر ما يؤلمك أن تتذكر كيف كانت بالأمس. والسوكي واحد من تلك الأماكن. من يقف اليوم على أرضه قد يرى حقولاً وقنوات ومبانٍ وآثاراً متفرقة، لكن ذاكرة المزارع ترى شيئاً آخر؛ ترى بياض القطن وهو يملأ الحقول، وسنابل الذرة وهي تنحني من ثقل الحب، وزهرة الشمس وهي تلاحق الشمس، والبساتين وهي تمنح الناس الخضروات والفواكه، والجرارات وهي تشق الأرض، والورش وهي تضج بالحركة، والمخازن وهي تحفظ احتياجات الموسم، والمحلج وهو يستقبل القطن. كان هنا مشروع ينبض بالحياة، واليوم أصبح السؤال المؤلم: كيف تراجعت كل هذه المنظومة وبقيت الأرض؟
مشروع السوكي الزراعي مشروعاً قومياً يتبع الاتحادية، وكانت مؤسسة السوكي الزراعية تدير مشروعاً يعرفه الناس من خيره، قبل أن يصبح اليوم هيئة السوكي الزراعية. وكان المشروع ينتج القطن والذرة الرفيعة والفول السوداني وزهرة الشمس وفول الصويا، إلى جانب الخضر والفواكه، وكانت حوله ثروة حيوانية، وخدمات في قرى المشروع، ومراكز صحية، وآبار، وسكنات للعمال والموظفين باقسامه الاربعه والرئاسه.
ولم يكن المشروع مجرد أرض ومحاصيل، فقد كانت هناك ورش هندسية كبيرة، وجرارات وآليات ووسائل حركة لكل قسم، ومخازن، ومكاتب للري، وقناطر ومنشآت هيدروليكية، ومحلج للقطن، أي منظومة متكاملة تخدم العملية الإنتاجية من الحقل حتى مرحلة ما بعد الحصاد. كانت مساحات القطن تصل في بعض المواسم إلى نحو خمسة وعشرين ألف فدان، والذرة الرفيعة إلى نحو أربعين ألف فدان، إلى جانب نحو خمسة عشر ألف فدان من المحاصيل الشتوية، ونحو خمسة آلاف فدان من الخضروات، وكانت البساتين تنتج الخضروات والفواكه للأسواق المحلية والولائية والقومية. كان السوكي ينتج المحصول، ويخلق العمل، ويحرك الأسواق، ويصنع حياة كاملة.
لكن المنظومة أخذت تتراجع. غابت محاصيل، وانكمشت البساتين، واختلت منظومة الري والصرف، وتراجعت الخدمات، وتدهورت البنية التشغيلية، وتراجعت أو تعطلت أصول وآليات وورش كانت جزءاً أساسياً من قدرة المشروع على الإنتاج. ولم يعد التراجع مقتصراً على الحقول، بل امتد إلى المباني والمنشآت التي كانت تمثل العمود الفقري للإدارة والإنتاج.
ومن أكثر الملفات التي تحتاج إلى وقفة جادة اليوم ملف أصول المشروع القومية. فسكنات الموظفين والعمال التي أنشئت لخدمة المشروع أصبحت في بعض المواقع مأهولة بأشخاص لا علاقة وظيفية لهم بالمشروع، وبعضهم لم يكن له أو لآبائه ارتباط سابق به، وتحولت بعض تلك المواقع بمرور الزمن إلى تجمعات سكانية لها شيخ ولها لجان شعبية. وهذا واقع اجتماعي قائم يجب التعامل معه بالحكمة، لكنه لا يحسم وحده الوضع القانوني للملكية. فإذا كانت هذه السكنات قد أنشئت من أموال الدولة لخدمة مشروع قومي، فإن المطلوب هو حصرها وتوثيقها ومعرفة وضعها القانوني، وتحديد الجهة المالكة لها، وما إذا كان قد صدر بشأنها أي تخصيص أو تنازل أو تصرف قانوني.
فوجود مجتمع سكاني في مكان ما لا يعني تلقائياً انتقال ملكية الأصل القومي إلى ذلك المجتمع، كما أن معالجة أوضاع السكان لا ينبغي أن تكون على حساب حقوق الدولة أو المال العام. المطلوب هو معالجة الواقع القائم بالقانون والحكمة، مع حماية الأصول العامة التي يفترض أن تخدم المشروع والإنتاج.
والأمر نفسه ينطبق على مكاتب الري في التفاتيش الأربعة، وهي مبانٍ كانت ذات أهمية مباشرة في إدارة منظومة الري والمتابعة الهندسية. واليوم أصبحت بعض هذه المكاتب متهالكة ومهجورة، حتى تحولت إلى مأوى للحيوانات والطيور. والمشهد هنا يتجاوز انهيار مبنى إلى انهيار جزء من الذاكرة التشغيلية للمشروع؛ فهذه المكاتب كانت مراكز للمتابعة، وتسجيل المناسيب والتصرفات، وإدارة أعمال الصيانة، وتحريك فرق العمل إلى الترع والمصارف والقناطر.
أما القناطر والمنشآت الهيدروليكية، فهي أكثر ارتباطاً مباشرة باستمرارية الإنتاج. وقد ظهرت في بعض المواقع حالات يُقال فيها إن قناطر ومنشآت كانت تخدم المشروع جرى بيعها أو التصرف فيها أو منحها لمواطنين من القرى المجاورة. وهذه مسألة لا ينبغي أن تبقى في دائرة الروايات. المطلوب هو الحصر والتوثيق والرجوع إلى السجلات لمعرفة طبيعة كل منشأة ووظيفتها وملكيتها، وما إذا كان قد صدر بشأنها قرار قانوني بالبيع أو التخصيص أو التنازل، ومن هي الجهة التي أصدرت القرار وبأي سند.
ويبقى محلج القطن واحداً من أهم رموز السوكي. فالمحلج لم يكن مجرد مبنى صناعي، وإنما كان الحلقة التي تربط إنتاج القطن في الحقل بمرحلة ما بعد الحصاد، وكان دليلاً على أن المشروع لم يكن ينتج المحصول فقط، بل يمتلك جزءاً من منظومة التعامل مع إنتاجه. ولذلك فإن السؤال اليوم يجب أن يكون واضحاً: ما الوضع القانوني للمحلج؟ وما حالته الإنشائية والفنية؟ وما الآلات والمعدات الموجودة فيه؟ وما الذي تبقى من أصوله؟ وهل ما زال مسجلاً ضمن أصول المشروع؟ ومن الجهة المسؤولة عنه؟
وكذلك الورش الهندسية التي كانت تمثل العمود الفقري للصيانة والإصلاح. فالمشروع الزراعي الكبير لا يستطيع الاستمرار إذا تعطلت جراراته وآلياته ومعدات الري والحركة ولم تكن لديه ورش قادرة على إعادة تشغيلها. ولهذا فإن ملف الورش يحتاج إلى جرد شامل يوضح مساحاتها ومبانيها ومعداتها وحالتها الفنية، وما هو موجود منها وما خرج منها، وما يمكن إعادته إلى الخدمة.
وينطبق الأمر ذاته على المخازن التي كانت تحفظ التقاوي والأسمدة والمبيدات وقطع الغيار والزيوت وغيرها من مستلزمات العملية الزراعية. فالمخزن ليس مجرد مبنى، وإنما جزء من الأمن التشغيلي للموسم، وأي خلل في إدارته ينعكس مباشرة على الإنتاج.
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية، لكنه لا يقل أهمية عن سؤال الأصول: أين ذهبت الموارد التي دخلت إلى المشروع خلال السنوات الماضية؟ فالمشروع لم يكن بلا موارد طوال هذه الفترة، وكانت هناك موارد ناتجة عن الإنتاج السابق، وموارد من الدولة، وما قد يكون قد قدم عبر برامج أو تدخلات من منظمات وجهات مختلفة بحسب الفترات.
ومع مرور ستة مواسم زراعية عجاف على المزارعين، يصبح من حق الجميع أن يعرف بصورة مؤسسية وشفافة حجم الموارد التي دخلت إلى المشروع، ومصادرها، ومتى دخلت، وكيف تم اعتمادها، وأين صرفت، وما الذي تم تنفيذه بها على أرض الواقع، وما الذي تبقى منها.
هذه الأسئلة لا تعني اتهام شخص أو جهة، ولا ينبغي أن تتحول إلى حملات تشهير، وإنما تعني أن المال العام يحتاج إلى حساب، والأصل العام يحتاج إلى سجل، والقرار الإداري يحتاج إلى مستند، والإنفاق يحتاج إلى مراجعة. وإذا كانت هناك مخالفات، فإن مكانها الطبيعي هو المؤسسات الرقابية والقانونية المختصة، بعد مراجعة المستندات والسجلات والحسابات.
ومن الملفات التي تستحق مراجعة خاصة أيضاً بساتين المشروع. فقد كانت البساتين جزءاً مهماً من النشاط الزراعي، وكانت تنتج الخضر والفواكه وتوفر دخلاً وفرص عمل وتحرك الأسواق المحلية. لكن مساحاتها تقلصت وتراجعت قدرتها الإنتاجية، وأصبح السؤال مشروعاً عن المساحات التي كانت قائمة في السابق وأين ذهبت وما هو استخدامها الحالي.
المطلوب هنا إعداد حصر دقيق يوضح المساحات التاريخية للبساتين، والمساحات الموجودة حالياً، وما خرج من النشاط الزراعي، والأساس القانوني لأي تغيير طرأ عليها، ثم وضع خطة لإعادة البساتين إلى الإنتاج وفق احتياجات السوق والإمكانات المائية والتربة المناسبة.
إن قضية السوكي اليوم ليست فقط قضية موسم زراعي أو محصول غاب، وإنما قضية منظومة كاملة وأصول قومية وموارد عامة وحقوق مزارعين. ولذلك فإن الخطوة الأولى في طريق الإنقاذ يجب أن تبدأ من معرفة ما نملك وأين هو وما حالته ومن يحميه وكيف يمكن إعادته إلى الخدمة.
وحماية السوكي تبدأ بحماية ما تبقى منه، وحصر ما ضاع، ومراجعة ما تم التصرف فيه، وإعادة كل أصل يمكن أن يخدم الإنتاج إلى وظيفته.
فالسوكي لم يفقد الأرض، لكنه فقد جزءاً كبيراً من المنظومة التي جعلت تلك الأرض منتجة. واستعادة هذه المنظومة ليست ترفاً إدارياً، وإنما شرط أساسي لعودة المشروع إلى الحياة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.