خفافيش الظلام: كيف يعيد “المؤتمر الوطني” تدوير جثته السياسية؟

زهير عثمان

حين يخرج حزب أسس حكمه على الانقضاض على الديمقراطية، وتجريف الحياة المدنية، وتفتيت الوطن، ليطرح فجأة ما يسمى بـ “الرؤية الوطنية للانتقال الديمقراطي”، فإننا لسنا أمام تحول سياسي حقيقي، بل أمام وقاحة سياسية غير مسبوقة

إن محاولات فلول النظام البائد (المؤتمر الوطني المحلول) العودة إلى المشهد تحت يافطة “إنقاذ الدولة” هي استخفاف صارخ بذاكرة شعب دفع ولا يزال يدفع ثمن خطاياهم باهظاً من دمائه وكرامته

1. بلاغة الزيف: القتلة يتحدثون عن الديمقراطية

من أبرز ملامح هذه الوثائق الهزلية هو استخدام مصطلحات رطبة مثل “دولة المواطنة”، “العدالة الانتقالية”، و”النظام الديمقراطي التعددي”. أي سخرية سوداء هذه التي تجعل عرابي الشمولية، وقادة القمع، ومهندسي بيوت الاشباح، يتحدثون عن حريات الشعب؟ إنهم لا يقصدون بالديمقراطية سوى “بوابة عبور” لتبييض سيرتهم الذاتية، والهروب من حساب التاريخ والعدالة، والعودة للامتيازات التي فقدوها. إنها ليست رؤية لبناء وطن، بل هي وثيقة استجداء للبقاء البيولوجي والتنظيمي لجهاز أدمن العبث بمقدرات البلاد.

2. ماكينة التزييف الإعلامي: خطر يجب هزيمته بالعار والفضح

إن هؤلاء الناس لا يمتلكون مشروعاً حقيقياً، بل يمتلكون ماكينة إعلامية خبيثة تعتمد على التضليل وتزييف الوعي واستغلال هشاشة المشهد العام للترويج لأنهم “طوق النجاة”

إن هزيمة هذه الماكينة لا تكون بالصمت ولا بتجاهل تحركاتهم، بل بفضحهم بالوثيقة والحقيقة والتاريخ. يجب تذكير الجيل الصاعد والشارع السوداني بأن كل أزمة تعصف بالبلاد اليوم -من تشظٍ واقتتال وانهيار اقتصادي- هي نبت شيطاني لسياسات ثلاثين عاما من حكمهم الظلامي

3. الحضور أم “بقاء الجراثيم”؟

ما يظهر اليوم للسطح ليس حضوراً شعبياً أو جماهيرياً، بل هو أشبه ببقاء “الجراثيم والميكروبات” في بيئات الدمار والسيولة الأمنية. إنهم يستغلون غياب الدولة الحقيقية وتخبط المشهد السياسي ليحشروا أنوفهم في كل ثغرة، متوهمين أن الشعب قد نسيت ذاكرته جراحه العميقة

إن وجودهم واستمرار طرحهم لهذه الرؤى الهزيلة هو الدليل الأكبر على عقم النخبة الحالية، وعلى الفراغ المخيف الذي تسمح فيه الدولة الرخوة لخصوم الثورة والحرية أن يتحدثوا باسم الضحايا

إن الرد العملي والأخلاقي على هذه المحاولات البائسة يكمن في إغلاق كل الأبواب أمام عودة الاستبداد بأي ثوب كان. إن السودان الذي يتجشم قسوة الحرب والنزوح، والذي يستحق وطناً حراً ديمقراطياً، لن يقبل بأن يحكمه من دمروا حاضره ومستقبله. الفضح المكثف، والمقاومة الواعية، ورفض التطبيع مع فلول الماضي هي الأسلحة الأبقى لدفن هذا الإرث المظلم إلى الأبد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.