تتحدث السلطات عن عودة الحياة إلى الخرطوم، وتدعو المواطنين إلى العودة إلى منازلهم، بينما يواجه كثير من العائدين واقعاً مختلفاً: انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وتراجع الخدمات الصحية، وتحديات أمنية تجعل العودة محفوفة بالمخاطر. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: متى يعود المواطن؟ بل: إلى ماذا يعود؟ لقد تحولت الخرطوم، التي كانت يوماً قلب السودان النابض، إلى مدينة تحمل آثار حرب مدمرة. صحيح أن بعض مظاهر النشاط بدأت تعود إلى أجزاء من العاصمة، لكن تقارير ميدانية تشير إلى أن التعافي ما زال متفاوتاً، وأن كثيراً من الأحياء لا تزال تعاني من ضعف الخدمات الأساسية وتداعيات الحرب.
أين الأمن؟
تعلن الجهات الرسمية عن خطط أمنية وانتشار للشرطة وإعادة تشغيل بعض المؤسسات الأمنية. لكن الأمن لا يُقاس بعدد نقاط التفتيش أو البيانات الرسمية، بل بشعور المواطن بالأمان في منزله وشارعه وسوقه، وبقدرته على التنقل والعمل والعيش دون خوف. فإذا كانت الخرطوم أصبحت مدينة تعج بالنقاط العسكرية، بينما لا تزال الخدمات الأساسية متعثرة، فإن المواطن من حقه أن يتساءل: أين ثمار كل هذه الإجراءات؟
العودة ليست قراراً سياسياً
لا يمكن تحويل العودة إلى برنامج إداري أو حملة إعلامية فقط. العودة الحقيقية تحتاج إلى مقومات واضحة: أمن مستقر. مياه وكهرباء بصورة منتظمة. مستشفيات ومدارس تعمل. أسواق قادرة على توفير الاحتياجات الأساسية. فرص عمل تعيد للناس كرامتهم. أما أن يُطلب من الأسر العودة إلى أحياء لا تزال تعاني من ضعف الخدمات، فذلك يضع المواطنين أمام تحديات يومية كبيرة. وتشير تقارير إنسانية إلى أن المناطق التي تشهد عودة للسكان ما زالت تواجه نقصاً في الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، إضافة إلى مخاطر الذخائر غير المنفجرة في بعض المواقع.
أين القرارات؟
منذ سنوات، يسمع السودانيون وعوداً بإعادة الإعمار وتحسين الخدمات. لكن المواطن لا يعيش على الوعود. إنه يريد الكهرباء عندما يحل الليل، والماء عندما يفتح الصنبور، والدواء عندما يمرض، والمدرسة عندما يرسل أبناءه للتعليم. هذه هي مؤشرات نجاح أي سلطة، لا كثرة المؤتمرات أو التصريحات.
الحرب لا تبني المدن
لقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح، ودمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية، وأثرت على الاقتصاد والخدمات العامة. ومهما تعددت الخطط الأمنية، فإن إعادة بناء العاصمة لن تتحقق إلا إذا اقترنت بتحسين الخدمات، وإعادة تأهيل المؤسسات، وخلق بيئة تسمح للناس بالعودة والاستقرار بصورة مستدامة.
قبل دعوة الناس للعودة…
من حق أي مواطن أن يسأل: هل أصبحت الخرطوم مدينة صالحة للحياة؟ هل يستطيع الأب أن يطمئن على أسرته؟ هل تستطيع الأم أن تجد مستشفى يعمل ومدرسة تستقبل أبناءها؟ إن الدعوة إلى العودة ينبغي أن تسبقها إجراءات عملية تعيد الحد الأدنى من مقومات الحياة، لأن الناس لا تعود إلى الشعارات، بل تعود إلى مدينة توفر لها الأمان والخدمات والكرامة. فالعاصمة لا تستعيد مكانتها بمجرد إعلان انتهاء المعارك، وإنما عندما يشعر المواطن بأن الحياة عادت إليها بالفعل، وأن الدولة قادرة على حماية الناس وخدمتهم، لا الاكتفاء بدعوتهم إلى العودة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.