حين يصبح السلاح الكيميائي جزءاً من الحرب، تسقط الكثير من الشعارات
في السودان، اعتدنا أن نسمع عبارة «الجيش الوطني» وكأنها حقيقة مكتملة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو السؤال. لكن الوطنية ليست رتبة عسكرية، ولا زياً رسمياً، ولا شعاراً يُرفع في البيانات. الوطنية سلوك ومؤسسات وقانون ومسؤولية أمام الشعب.
ولهذا فإن ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز حول برنامج مزعوم للأسلحة الكيميائية داخل الجيش السوداني يضع هذه العبارة أمام اختبار بالغ القسوة.
التحقيق، الذي استند إلى عدد كبير من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات والرسائل، يتحدث عن مشروع لتطوير ذخائر تعتمد على الكلور خلال عام 2024، ويشير إلى دور العميد طارق حسين في المشروع، وإلى تصنيع مئات الذخائر وفق ما تنسبه الوثائق إلى المسؤولين عنه.
إذا صحت هذه الوقائع، فنحن لا نتحدث عن تجاوز عسكري عابر، وإنما عن انتقال الحرب إلى مستوى آخر: استخدام مواد كيميائية في مواجهة خصم داخل مدينة يعيش فيها ملايين المدنيين.
والأكثر إثارة للقلق أن التحقيق يشير إلى الحصول على جزء من مادة الكلور من منشأة لمعالجة المياه في أم درمان.
هنا تحديداً يجب أن يتوقف الجميع.
لأن الكلور في محطة المياه وظيفته أن يحمي حياة المدنيين من الأمراض، وليس أن يتحول إلى مادة تدخل في صناعة السلاح.
من يملك حق تعريف «الوطنية»؟
المشكلة في الخطاب السياسي السوداني أن بعض القوى اختزلت مفهوم الوطنية في الانحياز إلى المؤسسة العسكرية، وكأن انتقاد الجيش يعني بالضرورة الوقوف مع الدعم السريع.
وهذه معادلة خطيرة.
يمكن للسوداني أن يرفض جرائم الدعم السريع، وفي الوقت نفسه يرفض أي انتهاكات يرتكبها الجيش.
يمكنه أن يريد جيشاً قوياً، وفي الوقت نفسه يطالب بأن يكون هذا الجيش خاضعاً للقانون.
ويمكنه أن يرفض مشروع الدولة المليشياوية، دون أن يقبل في المقابل تحويل المؤسسة العسكرية إلى سلطة فوق المساءلة.
الوطنية الحقيقية لا تعني أن تمنح المؤسسة العسكرية حصانة من النقد.
بل العكس تماماً.
كلما كانت المؤسسة التي تحمل اسم الدولة أقوى، وجب أن تكون مساءلتها أكبر.
القضية ليست «الجيش أم الدعم السريع»
هذه هي الحيلة السياسية التي أُنهك بها السودانيون طوال سنوات الحرب.
كلما ظهرت انتهاكات من طرف، يأتي السؤال فوراً: «وماذا عن الطرف الآخر؟»
نعم، يجب التحقيق في جرائم الدعم السريع.
ونعم، يجب التحقيق في جرائم الجيش والقوات المتحالفة معه.
ونعم، يجب التحقيق في كل جريمة ارتُكبت بحق المدنيين، أياً كان مرتكبها.
لكن وجود جريمة ارتكبها طرف لا يمحو جريمة ارتكبها الطرف الآخر.
الجريمة لا تصبح مباحة لأن الخصم ارتكب جريمة أكبر.
هذه ليست مباراة كرة قدم حتى يفوز فيها طرف ويخسر طرف.
إنها حرب دفع ثمنها المدنيون.
السؤال الأخطر
إذا كانت المعلومات الواردة في التحقيق صحيحة، فالسؤال لا يجب أن يتوقف عند الضابط الذي أشرف على المشروع.
من أصدر الأمر؟
من كان يعلم؟
من وفر المواد؟
من سمح بنقلها من منشآت مدنية؟
من عرف باستخدامها؟
هل كانت هناك قيادة سياسية أو عسكرية على علم؟
وإذا كانت هناك لجنة تحقيق، فكيف يمكن أن تكون المساءلة جدية إذا كان أحد المتهمين أو المشاركين في الملف، وفق الرواية المنشورة، مرتبطاً باللجنة أو مستشاراً لها؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات السياسية.
تجيب عنها تحقيقات مستقلة وأدلة جنائية ومساءلة قضائية.
السودان يحتاج إلى جيش… ولكن أي جيش؟
السودان يحتاج إلى جيش قوي بلا شك.
لكن السودان لا يحتاج إلى جيش سياسي.
ولا يحتاج إلى جيش يحكم بالوكالة عن حزب.
ولا يحتاج إلى جيش فوق الدولة.
ولا يحتاج إلى جيش يُستخدم اسمه لإسكات الصحافة والمواطنين.
السودان يحتاج إلى جيش وطني مهني، مهمته حماية الحدود والدستور والشعب، لا تحديد من يحكم ومن يعارض ومن يملك الحق في الكلام.
والفرق كبير بين أن تكون لديك «قوة عسكرية» وبين أن تكون لديك «مؤسسة وطنية».
الأولى تستطيع أن تمتلك الدبابات والطائرات والصواريخ.
أما الثانية فتحتاج إلى القانون والانضباط والمهنية والمساءلة.
وفي النهاية…
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس:
هل أنت مع الجيش أم ضد الجيش؟
بل: أي جيش نريد؟
جيشاً تحكمه المهنية أم السياسة؟
جيشاً يحمي المدنيين أم يجعلهم وقوداً للحرب؟
جيشاً يخضع للقانون أم يصبح القانون تابعاً له؟
جيشاً وطنياً لكل السودانيين، أم مؤسسة تستخدم «الوطنية» كسلاح سياسي ضد خصومها؟
إذا ثبتت الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، فستكون القضية أكبر من حادثة عسكرية وأكبر من شخص أو مجموعة ضباط.
ستكون سؤالاً عن طبيعة الدولة السودانية نفسها.
فالجيش الوطني لا يُقاس بعدد البنادق التي يحملها، وإنما بقدرته على حماية الإنسان الذي يحمل اسمه ويدافع عن وطنه.
والسودان بعد هذه الحرب لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات.
يحتاج إلى دولة.
ويحتاج إلى جيش.
ويحتاج قبل كل شيء إلى جيش داخل الدولة، لا دولة داخل الجيش.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.