كل الطرق تؤدي إلى لاهاي

بقلم: مستور أحمد محمد

لم يكتفِ قائد الجيش، الجنرال البرهان، بالقراءة من صفحات الدكتاتوريات، بل واصل من حيث انتهى قائده البشير؛ خان الثورة وانقلب على حكومتها وهو على رأسها، كما فعل البشير وتنظيمه، وهو ذات التنظيم الذي يقف خلف البرهان. ويمضي بخطى حثيثة لتقسيم ما تبقى من السودان، بحوار الوثبة الثانية الكذوب، ليحقق طموحه في السلطة، كما قسّم البشير السودان.

 

رغم الاختلاف في سياقات حوارَي الوثبتين، إلا أن الفكرة والهدف متشابهان.

 

أراد البشير تخفيف الضغط الداخلي والحصار الخارجي عليه؛ فداخليًا كان يعاني من صراعات تنظيمية حول جدوى استمراره في السلطة، ورفض شعبي لاحت بوادر هبّته في يونيو ويوليو 2012 وسبتمبر 2013، مصحوبًا بمخاوف من ثورات الربيع العربي التي أطاحت بأعتى الدكتاتوريات في المنطقة. فأدار الأمر بطريقة تقوم على صناعة المتناقضات، وخرج من حوار الوثبة بضمان ترشحه لانتخابات 2015، التي قوبلت برفض واسع عبر حملة «ارحل» التي نظمها نداء السودان ومكونات سياسية وشعبية، واستمرت في المقاومة حتى سقوطه. وهذه هي نفس النهاية التي تنتظر الجنرال البرهان.

 

حوار الوثبة الثانية هذا ليس له أي مقومات للاستمرار، لأسباب، منها:

 

أولًا: التمادي في صناعة المتناقضات، من دون أي إمكانيات أو قدرات لإدارتها. فالمليشيات والمجموعات التي تقف في صفه، من «المتوركين الجدد»، وحتى الدول التي تدعمه، لا تثق فيه؛ فهو أكذب من كل التوقعات.

 

ثانيًا: استمرار الحرب وتداعياتها على السودان والإقليم، وهو المسؤول الأول عن هذه الحرب، ومن خلفه تنظيم عبد الرحيم حمدي، صاحب فكرة دولة المثلث، الذي يحلم البرهان بأن يكون رئيسًا لها من دون بقية السودان، تحقيقًا لحلم والده، وهو منه براء.

 

ثالثًا: المقاومة السياسية والمدنية والشعبية المعتبرة لهذا التوجه. هذه القوى أكبر من تلك التي قاومت نظام البشير، وأكثر قناعة من ذي قبل بأن الطريق لاستقرار السودان وسيادته ونهضته هو نأي المؤسسة العسكرية عن الحكم والاقتصاد، وانصرافها إلى مهامها الطبيعية. وهذا لن يتأتى إلا بإعادة تأسيسها على القومية والمهنية وتغيير عقيدتها.

 

رابعًا: الاعتماد على الأكاذيب والتضليل في هذا الحوار.

 

فكرة هذا الحوار هي فكرة حلفاء البرهان الإقليميين والداخليين، لرفع الحرج عنهم في مقابل دعمهم الخفي، الذي أصبح معروفًا للقاصي والداني؛ ليس من أجل السودان، وإنما من أجل مصالحهم. ومن ضمن مصالحهم المتوهمة ألّا ينعم السودان بتحول ديمقراطي حقيقي، وأن يكون ضعيفًا ومنقسمًا، يسهل ترويضه واستغلاله.

 

والغريب أنهم يكررون نفس الطريقة التي تعاملوا بها مع نظام البشير. فالكذب والتضليل ليسا جديدين عليه، وهو المتماهي مع سلفه. وقد تبنى «المتوركون الجدد» هذه المرة الكذب نيابة عنه، إذ ذكروا أن هذا الحوار جاء بمبادرة منهم، وأن السلطة ليست لها أي علاقة به، في انتظار مخرجات حوار التنصيب، وليس وقف الحرب وإنهاء معاناة السودانيين.

 

وهم يعلمون تمام اليقين أن هذا الحوار ليس من بنات أفكارهم، ولن يستطيعوا حرف فكرته إلى غير تنصيب البرهان رئيسًا على أشلاء السودان؛ فجميع أعضاء اللجنة يشاركون البرهان موقفه ويدعمون طموحه. وأبعد من ذلك، أنهم يتشاركون مع التنظيم في الوجهة والاستنفار ودحر «تمرد الأجانب الجدد»؛ أما «الأجانب القدامى» فهم المتوركون من الهامش، الذين سيُضحّى بهم قريبًا.

 

كما يتشاركون في دعم مؤسسات الدولة: البرهان، والجيش، والتنظيم، والمثلث، والبحر، والنهر. وها قد ظهرت مجموعات تدعو إلى تنصيب البرهان رئيسًا، وهو إعادة تنصيب للتنظيم.

 

هذه نفس كذبة البشير، ونفس كذبة لجنة حوار الوثبة.

 

خامسًا: الحوار الموسوم بأنه «سوداني – سوداني» مستبعدة عنه أجزاء واسعة من السودان؛ فنيالا، والفاشر، وأم درمان، ومليط، والكرمك، وزالنجي، والجنينة، والضعين، وأم كدادة، وأروري… إلخ، ليسوا من السودان.

 

وحتى في ممارسة التضليل، لم يتحملوا تمثيلهم على سبيل الترميز التضليلي؛ لأنهم خارج المثلث وغير موثوق بهم، وربما لديهم رأي آخر في بعض القضايا، فضلًا عن أنهم مطرودون إلى خارج المثلث بعد استنزافهم.

 

والأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يقود إلى تثبيت سلطة، بقدر ما يقود إلى تثبيت ملف من المسؤوليات والانتهاكات. فكلما اتسعت دائرة الحرب، وتعددت الجرائم، وتراكمت الأدلة، ضاقت مساحة الإفلات من المحاسبة. وقد ينجح أصحاب السلطة لبعض الوقت في تأجيل الاستحقاق السياسي، لكنهم لن يستطيعوا إلغاء ذاكرة الضحايا، ولا محو الأدلة، ولا إغلاق أبواب العدالة. فالسلطة التي تُبنى على الدم والخراب لا تمنح أصحابها حصانة أبدية، والتاريخ لا يمنح صكوك البراءة لمن يظنون أن القوة قادرة على إسكات الحقيقة.

 

كل هذه الطرق تؤدي إلى لاهاي، مع بقية المجرمين الذين قتلوا الشعب بالأسلحة المحرمة.

 

ويبقى السودان كما له أن يكون: مستقرًا وموحدًا بتنوعه، مزدهرًا بموارده، مالكًا لسيادته، ومساهمًا في استقرار الإقليم.

 

مثل سوداني: التركي ولا المتورَك.. فالتركي المستعمر أرحم من مدّعي التركنة، أما المتوركون فهم أسوأ؛ لأنهم «تتركنوا» من تلقاء أنفسهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.