الكرسي أولًا.. حين يتوارى الجيش خلف عباءة الإخوان والسلطة

بقلم: سيف الدولة كمال

في السودان، ثمة شعارات لم تعد تحتمل المزيد من الترديد، وفي مقدمتها شعار «الجيش الوطني». فالوطنية ليست بطاقة إعفاء من النقد، والزي العسكري ليس شهادة براءة، والرتبة الرفيعة لا تمنح صاحبها حق التصرف في الدولة والمواطنين كما يشاء. والوطنية الحقيقية تُقاس بما تفعله السلطة لحماية الإنسان، وبمدى احترامها للقانون، وبقدرتها على وضع مصلحة البلاد فوق مصالحها السياسية.

لهذا، يبرز بقوة وجود برنامج سري للأسلحة الكيميائية داخل الجيش السوداني المتحالف مع كتائب الحركة الإسلامية «البراء بن مالك»، ليفتح واحدًا من أخطر الملفات في تاريخ الحرب. اليوم بات في حكم المؤكد صحة الوثائق والمعلومات التي نشرتها وسائل إعلام أمريكية، وبالتالي لا نكون أمام تجاوز فردي أو خطأ ميداني، بل أمام منظومة يُشتبه في أنها طوّرت وأنتجت واختبرت وخزّنت ذخائر تعتمد على غاز الكلور، وربما استخدمت بعضها في المعارك.

هنا، لا يكفي أن تخرج القيادة العسكرية لتقول إن الاتهامات «لا أساس لها». القضية أكبر من بيان نفي، وأخطر من معركة علاقات عامة. نحن نتحدث عن أسلحة محظورة دوليًا، وعن دولة أنهكتها الحرب، وعن ملايين المدنيين الذين دفعوا ثمن قرارات لم يكونوا طرفًا فيها.

والسؤال الذي يجب أن يطارد قيادة الجيش ليس فقط: هل استخدمتم السلاح الكيميائي؟ بل: ماذا فعلتم لحماية المواطن من الحرب أصلًا؟

فمنذ اندلاع القتال، تحولت المدن إلى ساحات موت، وانهارت الخدمات، ونزح الملايين، وتعرضت البنية التحتية للدمار، بينما ظل خطاب القيادة يدور حول الانتصار والحسم والسيادة، وكأن السودان دولة بلا شعب، وكأن المواطن تفصيل ثانوي في معركة السلطة.

المشكلة أن قيادة الجيش التي تطالب الناس بالاصطفاف خلف جيشهم لا تريد، في المقابل، أن تخضع هي نفسها للمساءلة. تريد من المواطن أن يصدق، وأن يصمت، وأن يعتبر كل سؤال تشكيكًا في المؤسسة العسكرية، وكل نقد خيانة، وكل تحقيق مؤامرة.

وهذا منطق خطير.

الجيش الوطني الحقيقي لا يخشى التحقيق، بل يطالب به. ولا يحتاج إلى إسكات الصحافة، بل إلى كشف الحقائق أمامها. ولا يحتمي بالشعارات، بل بالقانون.

إذا كان التحقيق المتعلق بالسلاح الكيميائي كاذبًا، فليكن الرد بفتح المواقع العسكرية أمام تحقيق مستقل، والسماح بفحص الذخائر والمنشآت والسجلات، وتمكين الجهات الدولية المختصة من الوصول إلى الأدلة. أما الاكتفاء بالنفي والتهديد بمقاضاة الصحف، فلن يجيب عن الأسئلة التي أثارتها الوثائق.

أعتقد أن الكارثة أكبر بكثير. عندها لن يكون السؤال عن ضابط أو وحدة عسكرية، بل عن سلسلة كاملة: من خطط؟ من موّل؟ من وفّر المواد؟ من أشرف على التصنيع؟ من سمح بالاختبار؟ من أمر بالاستخدام؟ ومن عرف وسكت؟

الأخطر أن بعض المعلومات تتحدث عن الحصول على الكلور من منشآت لمعالجة المياه. وهذه مفارقة تكشف إلى أي حد يمكن أن تنحرف البوصلة عندما تصبح الحرب مشروعًا للسلطة.. فالمادة التي يفترض أن تُستخدم لحماية الناس من الأمراض وتعقيم مياههم تصبح جزءًا من سلاح يُستخدم ضدهم.

أي عقل سياسي وعسكري يمكن أن يقبل بهذه المفارقة؟

المواطن السوداني لم يحتج إلى حرب أخرى داخل الحرب. لم يحتج إلى أن يتحول الماء إلى مصدر خوف، ولا إلى أن تصبح المواد المدنية وقودًا لمشروعات عسكرية سرية. كان يحتاج إلى دولة تحميه، وإلى قيادة توقف النزيف، لا إلى قيادة تجعل استمرار الحرب وسيلة لإعادة إنتاج سلطتها.

ثم تأتي الحجة المعتادة: «وماذا عن الدعم السريع؟».

نعم، لكن الانتقام والغضب من الخصم لا يمنحان أي طرف رخصة لارتكاب جرائم أخرى. فالقانون لا يعمل بمنطق المقارنة، والدم السوداني واحد، سواء أُريق برصاص الجيش أو الدعم السريع.

الجيش ليس حزبًا سياسيًا، والسودان ليس ملكًا لقيادته. والسلطة ليست غنيمة حرب، والجنود ليسوا أداة لحماية مستقبل سياسي لقادة، والمواطن ليس وقودًا لمشروع لا يعرف نهايته.

لقد آن الأوان لكسر هذه المعادلة البائسة: إما أن تؤيد القيادة، وإما أنك ضد الوطن.

لا.

يمكن أن تكون مع الجيش كمؤسسة وطنية، وضد أخطاء قيادته. ويمكن أن تريد جيشًا قويًا، وترفض أن يكون فوق القانون. ويمكن أن ترفض الدعم السريع، وفي الوقت نفسه ترفض أي انتهاكات يرتكبها الجيش.

بل إن الدفاع الحقيقي عن الجيش يبدأ بمحاسبة من يسيء إليه.

إذن، إذا كان الثابت هنا هو وجود الأسلحة الكيميائية، فإن المسؤولين عنها يجب أن يخضعوا للمساءلة، مهما كانت رتبهم ومواقعهم. وإذا لم يثبت، فعلى قيادة الجيش أن تساعد في إثبات براءتها، بدلًا من الهروب إلى البيانات.

السودان لا يحتاج إلى قيادة منشغلة بإثبات أنها لا تُسأل. يحتاج إلى قيادة تعرف أن السلطة مسؤولية مؤقتة، وأن الدولة باقية بعد ذهاب الحكام.

والسؤال في نهاية المطاف ليس: من يملك السلاح؟

بل: من يملك الشجاعة ليحاسب من يستخدمه؟

فالسودان ليس ثكنة، والمواطن ليس جنديًا في معركة السلطة، والوطن ليس شعارًا يُرفع لحماية القيادة من النقد.. من يضع بقاءه في السلطة فوق بقاء بلده، لا يدافع عن الوطن؛ بل يستخدم الوطن للبقاء في السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.