حذّر رئيس وزراء حكومة السلام، محمد حسن عثمان التعايشي، من تفاقم أزمة الغذاء والمجاعة في السودان، داعيًا الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة واستباقية ال لتفادي تحول الأزمة إلى كارثة إنسانية واسعة، ومنع امتداد تداعياتها إلى دول أخرى في المنطقة.
وقال التعايشي، في خطاب بعث به إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 24 أغسطس 2026، إن مؤشرات مناخية وزراعية وإنسانية متزايدة تنذر بتدهور الوضع الغذائي في السودان، في ظل تراجع معدلات الأمطار واضطراب أنماط هطولها، بما يزيد مخاطر الجفاف الزراعي وانخفاض إنتاج المحاصيل والمراعي.
وأوضح أن خطورة الوضع تتفاقم مع اعتماد قطاعات واسعة من السكان على الزراعة المطرية والرعي كمصدرين رئيسيين للغذاء والدخل، مشيرًا إلى أن أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب أدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وتعطيل الأسواق وسلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء ومدخلات الإنتاج، إلى جانب نزوح ملايين الأشخاص وفقدانهم سبل كسب العيش.
وأشار الخطاب إلى أن الاحتياجات الإنسانية تضاعفت، في وقت لا تزال فيه مؤشرات إنهاء الحرب محدودة، كما تستمر العوائق أمام وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.
19.5 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي
واستند التعايشي إلى تقييمات أممية، قائلًا إن تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة «فاو» وبرنامج الأغذية العالمي تشير إلى أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2026.
وحذّر من استمرار خطر المجاعة في مناطق من دارفور وكردفان، مع احتمال بقاء الخطر في بعض المناطق إلى ما بعد موسم الحصاد وحتى مطلع عام 2027.
واستحضر رئيس وزراء حكومة السلام تجربة السودان خلال ثمانينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن الزعيم الدارفوري الراحل أحمد إبراهيم دريج وجّه في نوفمبر 1983 تحذيرًا إلى الحكومة المركزية بشأن مؤشرات مجاعة وشيكة نتيجة الجفاف ونقص الأمطار في دارفور وأجزاء أخرى من السودان والمنطقة.
وأضاف أن التحذير لم يحظَ بالاستجابة المطلوبة، قبل أن تتفاقم المجاعة خلال عامي 1984 و1985، وتتسبب في خسائر بشرية واسعة نتيجة الجوع والأوبئة المصاحبة.
وأكد التعايشي أن استحضار هذه التجربة لا يستهدف تحميل المسؤولية عن الماضي، وإنما التأكيد على أن الإنذار المبكر لا تكون له قيمة ما لم يتبعه تحرك وقائي عاجل، محذرًا من تكرار التجربة بعد أكثر من أربعة عقود.
8 مطالب لتحرك دولي عاجل
ودعا التعايشي الأمم المتحدة، بالتنسيق مع وكالاتها المتخصصة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» والشركاء الدوليين، إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة، تشمل إجراء تقييم مشترك لمعدلات الأمطار والمساحات المزروعة وتوقعات الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك المناطق صعبة الوصول.
وطالب بإعداد خطة أممية متكاملة للتحرك الاستباقي لمواجهة مخاطر الجفاف ونقص الغذاء، إلى جانب توفير تمويل طارئ لدعم الزراعة والرعي، بما يشمل البذور المحسنة والمدخلات الزراعية والأعلاف والمياه والخدمات البيطرية، بهدف تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود والحيلولة دون فقدان مصادر الدخل.
كما دعا إلى تخزين مسبق للمواد الغذائية والإمدادات الطبية ومستلزمات التغذية العلاجية في المناطق الأكثر عرضة للخطر، قبل أن تؤدي التطورات الأمنية أو الأمطار إلى إغلاق الطرق وتعطيل وصول المساعدات.
وطالب بتوسيع عمليات برنامج الأغذية العالمي و«فاو» ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء والنازحين واللاجئين والمجتمعات المضيفة وصغار المزارعين والرعاة.
وشدد على ضرورة اعتماد جميع مسارات الوصول الإنساني المتاحة، بما فيها العمليات العابرة للحدود وعبر خطوط التماس، وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين بمعزل عن الاعتبارات السياسية.
واقترح كذلك إنشاء آلية أممية للإنذار المبكر والرصد المستمر، تضم ممثلين عن الوكالات المختصة والسلطات المعنية والمجتمعات المحلية، لإجراء تقييمات دورية لمعدلات الأمطار والإنتاج والأسواق والتغذية وتفشي الأمراض.
كما دعا المانحين إلى توفير تمويل مرن ومتعدد السنوات يسمح بالانتقال من الاستجابة المتأخرة إلى الوقاية والاستعداد المبكر والتعافي ودعم الإنتاج المحلي.
وأكدت حكومة السلام استعدادها للتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها، وتوفير التسهيلات اللازمة لإجراء التقييمات الميدانية وإنشاء المكاتب الإنسانية وتمكين المنظمات من الوصول إلى المجتمعات المتضررة، إلى جانب تبادل المعلومات المتعلقة بالأمطار والإنتاج والاحتياجات الإنسانية وفق المبادئ الإنسانية الدولية.
اجتماع عاجل لتحديث خريطة المخاطر
واقترح التعايشي عقد اجتماع عاجل رفيع المستوى يضم حكومة السلام ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» ومنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي والوكالات المعنية، بهدف تحديث خريطة الاحتياجات والمخاطر، ووضع جدول زمني واضح للتدخلات الاستباقية.
واختتم التعايشي خطابه بالتحذير من أن السودان يواجه تراكمًا خطيرًا من الصراع والنزوح وانهيار سبل العيش وتراجع الإنتاج والاضطرابات المرتبطة بالمناخ، مؤكدًا أن كلفة الوقاية من المجاعة اليوم ستكون أقل بكثير من الكلفة البشرية والمالية للتعامل مع تداعياتها بعد وقوعها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.