اختار البرهان أن يواجه ورطة نشر كبريات وسائل الإعلام العالمية لأدلة دامغة على ضلوعه في استخدام السلاح الكيماوي، عبر الهجوم على قوى الثورة، ظناً منه بأن هذه الحيلة ستثير غباراً يحجب الأنظار ويحرف التركيز عن واقعة الكيماوي، والتي تحمل تبعات خطيرة لها ما بعدها بكل تأكيد.
كان من الأوفق أن يوفر الجنرال طاقته وجهده لإيجاد مخرج من هذه المصيبة التي أحلت به، ولكنه وكعادته أخطأ التصويب. وللأمانة، فإنني لم أرَ في حياتي شخصاً جانبه التوفيق مراراً في اختيار السبل الأمثل لتحقيق غاياته مثل البرهان. فالرجل ظل مسكوناً برغبته في الحكم، منذ أن وجد نفسه مصادفة في قمة سلطة عسكرية صعدت على أكتاف ثورة شعبية أسقطت نظاماً استبدادياً أخلص الجنرال في خدمته لثلاثة عقود دون انقطاع.
عوضاً عن أن يسطر اسمه كقائد عسكري ينحاز لآمال شعبه ويساعد في تحقيقها، فقد فعل العكس تماماً، فقاد فض الاعتصام لتنصيب مجلس عسكري ولم يوفّق، ثم قاد انقلاباً عسكرياً ولم ينجح حتى في تكوين حكومة ليوم واحد، والآن يريد أن يصعد للسلطة على أكتاف حرب دمرت البلاد وشردت أهلها، فإذا به يجد نفسه متوجهاً بسرعة الصاروخ نحو المحاكم الدولية في لاهاي، عوضاً عن تحقيق حلمه بالخلود في كرسي القصر.
روى البرهان في خطابه نصف الحقيقة، كما قال الأستاذ المحترم المهذب بابكر فيصل، وأنصاف الحقائق دوماً هي أسوأ أنواع الأكاذيب. وقد سكت البرهان عن إكمال القصة لأنه يعلم أنها تثبت عكس ما رمى إليه كلياً. فحين حاول عبر وسيط، أن يقنعنا ونحن في السجن أن ننضم لجهوده لشن الحرب ضد حليفه في الانقلاب، الدعم السريع، قلنا له يومها إننا لن نكون جزءاً من حرب تدمر بلادنا وتشرد شعبها، وإننا لن ننحاز له ولا للطرف الآخر، بل سنظل مستمسكين بموقفنا الذي سيعمل على تجنب الحرب وسيعتزل فتنتها إذا اندلعت. هذا ما قلناه قبل سنوات، وما ظللنا متمسكين به حتى اليوم، ولم ولن نحيد عنه رهبة من بندقية ولا رغبة في غنيمة.
قال الجنرال إننا كيانات هلامية ساعية للسلطة، وهو وصف مثير للسخرية لمفارقته للواقع كلياً. فالسلطة هو من تشبث بها سافكاً الدماء دون توقف منذ انقلاب 2021 المشؤوم، ولو كنا «هلاميين» ساعين للسلطة بالفعل، لكنا اليوم جزءاً من سلطته “الهلامية” التي عجزت عن كل شيء ذي فائدة للناس، فلا هي آمنتهم من خوف، ولا سدت رمقهم من جوع، وفشلت في كل ملف صغر أم كبر.
ختاماً، إن كان لي من نصيحة أخيرة للجنرال، وهو يعلم أننا لم نبخل يوماً ببذل النصح الذي يحفظ دماء أهلنا وسلامة بلدنا، فنصيحتي له أن يقتنع بأن حلمه في الحكم قد «مات وشبع موت»، وأنه يواجه اليوم تحدياً أكبر بكثير. ولينظر للتاريخ فقط ليعتبر ممن سبقه من مستبدين استخدموا الكيماوي في مواجهة شعبهم، لينظر أين انتهى بهم وببلادهم المصير. إن كان الجنرال يعتبر، فليعمل على وقف هذه الحرب فوراً، وحقن دماء الناس، وترك أهل السودان ليرسموا مستقبلهم طواعية دون تسلط بندقية. هذا هو المخرج الآمن له وللبلاد التي امتحنها امتحاناً عسيراً منذ أن ظهر في المشهد السياسي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.