تجاوز تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم مرحلة كونه مجرد أداة مصرفية تقنية تُستخدم لقضاء الحوائج المالية الجانبية، ليرتقي إلى موقع الشريان الأساسي الذي يغذي دورة الحياة الاقتصادية واليومية لملايين السودانيين، غير أن هذا الموقع المحوري بات مهددًا بفعل الأزمات المتكررة للتطبيق؛ إذ لم يعد التعطل أزمة عابرة تُعالج في حينها، بل تحول إلى معضلة مزمنة تتكرر معها بيانات الاعتذار، دون أن تلوح في الأفق حلول جذرية تنهي المعاناة، إن خطورة تكرار الأعطال والتذبذب الحاد في كفاءة الخدمة تكمن في اقتران التطبيق المباشر بمعاش الناس؛ فمن خلاله يُشترى القوت والدواء والوقود، وتُسدد عبره تكاليف العلاج والنقل، وتُحوّل بفضله النفقات الأسرية والتجارية بين مختلف الولايات، وبناءً على هذه الأهمية الاستثنائية، فإن توقف الخدمة لا يعني مجرد تعطل برنامج على هاتف ذكي، بل يعني فلجًا كاملاً لحركة الأفراد وتعطيل مصالحهم؛ إذ يجد المواطن نفسه عاجزًا عن التصرف في ماله الخاص وقت الحاجة الماسة، كالمريض الذي يعجز عن شراء دوائه، أو المسافر الذي يتجمد في طريقه، أو الأسرة التي تنتظر سد رمقها، إن الأزمة الحقيقية اليوم لا تتجسد في شح الاعتذارات المصرفية، فالاعتذار سلوك مؤسسي واجب عند وقوع الخلل، بل تتجسد في تحول الاعتذار ذاته إلى نمط مكرر بديل عن معالجة أصل المشكلة، إن الشارع السوداني اليوم لا ينتظر بيانات أسف جديدة بقدر ما يطالب بخدمة مستقرة، وشفافية توضح أسباب الخلل المتكرر، والخطوات الفعلية التي اتُخذت لضمان عدم عودته، لقد أصبحت الحاجة ملحة لإيجاد حلول تقنية جذريّة تُعيد للخدمة استقرارها، وتضمن للمواطنين حقهم الأساسي في الوصول إلى أموالهم دون عوائق.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- حقيقة مأساة وجع الرصيد المقيد “حين ينام المال في سجن الشاشة” كانت الشمس تصب جمرها فوق شواهد الطريق، والحافلة المتجهة نحو أطراف الولاية تهتز بركابها الذين أثقلهم الصمت والانتظار، في المقعد الخلفي، كان عبد الله يمسك هاتفه الذكي بقبضة مرتعشة، يفرك إبهامه على الشاشة المظلمة ثم يعيد فتحها للمرة العاشرة، عيناه المعلقتا بالزاوية العليا للهاتف تترقبان ظهور المربعات الحمراء المشعة التي تعلن الاتصال، ولكن لا شيء يلوح في الأفق سوى شريط أبيض مقتضب يمتد ببطء قاتل ثم يختفي، مخلفًا عبارة جافة: “يرجى المحاولة لاحقًا”، لم يكن عبد الله يلهو بصفحة ترفيهية، ولا كان يترقب رسالة مودة؛ بل كان يقف على الخط الفاصل بين النجاة والحرج، أمه الطاعنة في السن ترقد في المشفى الصغير، والطبيب ينتظر بديل الدواء الشافي، والصيدلي يمسك بالعلبة في يده اليسرى ويشير بيده اليمنى نحو رمز الاستجابة السريعة للمصرف، كانت أموال عبد الله كلها تجلس حيةً رزينةً في حسابه، لكنها كانت في الوقت نفسه ميتةً معتقلة خلف جدار التطبيق الذي أبى أن يفتح، لم تكن هذه الظاهرة نادرة الحدوث، بل أضحت طقسًا رتيبًا يُفرض على الناس دون استئذان، كان تطبيق «بنكك» قد تسلل بمرور الأيام ليخلع ثوب، لكونه مجرد أداة مصرفية مركونة في زاوية الهواتف، واستحال شرايين وأوردة تتدفق عبرها دماء الحياة الاقتصادية في البلاد، عبر هذه الشاشة الصغيرة، يُشترى رغيف الخبز لصباح الصبية، وتُدفع أجور الحافلات، ويُرسل القوت للثكالى والمحتاجين في القرى البعيدة، وتُبرم صفقات التجار في الأسواق النائية، لقد بات الشريان الذي يربط بين حاجة الإنسان وقدرته على قضائها، وقف عبد الله أمام الصيدلي، وعرق الخجل والرهبة يتصبب من جبينه، المال ملكه، كسبه بعرق جبينه، ولكنه ينظر إلى ماله وكأنه سراب في رتيمة صحراء، حاول مرارًا، وكرر المحاولة، والناس خلفه في الطابور يزفرون حسرةً وشفقة، فمنهم من ينتظر دفع ثمن وقود لسيارته المتهالكة ليلحق بعمله، ومنهم تاجر يُحاول تحويل قيمة بضاعة ستفسد إن بقيت في شمس الظهيرة، وآباء يترقبون وصول نفقة يسدون بها رمق أطفالهم، كان الجمود يلف الجميع، وكأن الزمان توقف بقرار من خادمٍ إلكتروني ناءَ بأحماله، وحين عادت الشبكة أخيرًا بعد ساعاتٍ من الفوات، لم تأتِ بالحل الجذري، بل أتت بالبيان المعتاد؛ اعتذارٌ أنيق، بكلمات منمقة تؤكد “حرص المصرف على تقديم أفضل الخدمات”، وتعد “بتحسين جودة النظام ومعالجة الخلل العابر”، لكن الاعتذار لم يعد يداوي جرح الحرج، ولا يمسح دمعة المريض الذي تأخر دواؤه، ولا يعوض السافر الذي فاتته رحلته، ولا يرفع عن الناس الحيرة التي استبدت بهم، فالأزمة لم تعد تتلخص في وقوع حادث طارئ يُصلح وتُطوى صفحته، بل في استمرار الدوامة ذاتها: تعطلٌ، فاعتذارٌ، فورودُ وعودٍ زاهية، ثم عودة إلى نقطة الصفر، لم يكن الناس يطلبون المستحيل، ولا يطالبون التقنية بما يفوق طاقتها البشرية والتنظيمية، بل كانوا يبتغون أمانًا يسيرًا: خدمةً مستقرةً تحفظ كرامتهم، وجوابًا شفافًا يشرح لهم لماذا تتكرر هذه النكبات المادية، وما هي الخطوات الحقيقية التي تُتخذ كي لا يعود المال حابسًا لصاحبه، غادر عبد الله الصيدلية خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف، ينظر إلى هاتفه الصامت بمرارة، لقد أدرك في تلك اللحظة أن تعطل التطبيق لم يعد مجرد خلل في رمز برمجي أو انقطاع في خادم، بل هو توقفٌ مفاجئ لخطوات الملايين، وشللٌ يصيب تفاصيل الحياة اليومية، ويترك الإنسان مالكًا لماله، ولكنه عاجزٌ تمامًا عن أن يكون سيد أمره!؟. The disruption of the Bank of Khartoum’s “Bankak” application is no longer just a software glitch or a server outage, but a sudden halt to the progress of millions, a paralysis affecting the details of daily life, leaving a person in possession of their money, but completely unable to be in control of it وعلى قول جدتي:- “دقي يا مزيكا!!”.
خروج:- (عقولٌ خلف القضبان: عندما قرر “نابليون الزنزانة” اختطاف مبابي وآخرون عبر “سناب شات” ..!!؟؟) ففي زمانٍ عجيب، تتداخل فيه مهزلة الواقع بمرارة الخطر، وفي قلب العاصمة الباريسية التي تتعافى كل يوم من ضجيج العالم، انشغلت الأجهزة الأمنية الفرنسية ببسالة وحزم يسابقان الزمن لحماية الأرواح والسكينة العامة، كانت السلطات الفرنسية الساهرة على أمن الوطن تقف سدًا منيعًا أمام طوفان من الفوضى، تنظر بعين العطف والواجب إلى مواطنيها ورجال أعمالها ونجومها الذين يمنحون البلاد بريقها ورقيها، وفي مقدمة أولئك النجوم، يبرز الفتى الذهبي للكرة الفرنسية، كيليان مبابي؛ ذلك الشاب الذي لم يشفع له تسديده للكرات في الملاعب العالمية ولا حمله لآمال ملايين المعجبين وأفئدتهم، ليدخل اسمه رغماً عنه في مضمار خيالات إجرامية خاوية، كيف لقلب إنساني ألا يتأثر وهو يرى رجلاً سخر حياته للرياضة ورسم البسمة على وجوه الأبرياء، يصبح فجأة هدفًا لطمع العقول المريضة؟ إننا نصافح هذا الذهول بنبرة ملؤها التضامن الكامل والإدانة الشديدة والشجب الصارم لكل يد آثمة تتجرأ على إرهاب الآمنين وابتزاز الشرفاء أو المساس بحرياتهم وكرامتهم، غير أن حقيقة المخطط تفرض نفسها كملحمة من السخرية المرة، فبينما تسعى الأجهزة الأمنية لحفظ النظام، كان ثمة “عبقريٌ” في السابعة عشرة من عمره، يجمع بين جنسيتين ومصيبتين، يُدعى “كليمان إل”، أو كما أحب أن يطلق على نفسه في عالم الوهم البصري: “ليستر زد”، لم يكن هذا العبقري يرتدي زياً عسكرياً ولا يمتلك غرفة عمليات معقدة، بل كان يمتدح مهارتهم من خلف قضبان السجن الاحتياطي، حيث يُفترض أنه يقبع للتكفير عن خطاياه في قضايا السطو والقوادة، تخيلوا الموقف: قائد المافيا العظيم، بونابرت الإجرام الحديث، يدير إمبراطوريته العابرة للحدود، من تحت غطاء زنزانته! وبدلاً من الخرائط العسكرية والأجهزة الذكية المتطورة، كان سلاحه الاستراتيجي الفتاك هو هاتفين مهرّبين وتطبيق “سناب شات”! نعم، التطبيق ذاته الذي يستخدمه المراهقون لتبادل صور فلترات وجوه القطط والأرانب، كان هو المقر الرئيسي لإدارة عمليات السطو المنظم واختطاف صفوة المجتمع الفرنسي، وضع “سعادة القائد الفذ” قائمة تتكون من 26 هدفاً، جمع عناوينهم بشق الأنفس كما لو كان يجمع طوابع البريد، استعرض الأسماء بكبرياء: كيليان مبابي، ومغني راب معروف، وجملة من رجال الأعمال وتجار الجوهر والأثرياء، كان المخطط في عقله الصغير بائساً وبسيطاً كبساطة أوهامه: اقتحام القصور، مقصلة من الأربطة البلاستيكية، اختطاف الضحايا، ثم مطالبتهم بفدية تجعل منه أثرى أثرياء الأرض وهو يجلس على شبرين من البلاط! ولكن كيف سقطت هذه الإمبراطورية “السناب شاتية”؟ بدأت الخيوط تتكشف بعد سلسلة من السطو الغبي، كان أبرزها الاستيلاء على ساعات فاخرة بقيمة 150 ألف يورو من نويي سور سين، وحينما بدأت فرقة مكافحة الجريمة المنظمة تحقيقاتها بذكاء وصبر، قادتها أدلة الجريمة المضحكة إلى حيث يجلس “الرأس المدبر”، اقتحمت الشرطة زنزانة العباقرة، لتجد العدة الإستراتيجية للغزو: أربطة بلاستيكية تُستخدم لتثبيت الأسلاك الكهرومائية، وهواتف إضافية، وضياعاً تاماً لكبرياء العصابة المفترضة، وعندما واجهه المحققون بتهم السطو المسلح والتخطيط للخطف، تداعت شجاعة “ليستر زد” الرقمية، واستبدل نبرة “العراف” بنبرة الحمل الوديع، صائحاً بلغة العاجز: “لستُ أنا! إنني مجرد وسيط مسكين لقائد آخر مجهول!”، يا للبطولة! ينتهي طموح العباءة الإجرامية دائماً عند أول كرسي تحقيق، ختاماً، وبناءً على طلب الادعاء العام لحماية المجتمع من هذا “الفكر الخلاق”، جُرَّ قائد المافيا التلفزيونية إلى الحبس الانفرادي تحت الحراسة المشددة، سيمضي “كليمان” الآن أوقاتاً طويلة في عزلة تامة، بلا “سناب شات”، وبلا فلترات، وبلا أربطة بلاستيكية، ليفكر ملياً في القائد المجهول، بينما يواصل مبابي تسجيل الأهداف، وتواصل السلطات الفرنسية إثبات أنها لا تتساهل مع من يحول أوهام المراهقة إلى تهديد لأمن الناس وأرواحهم!؟.
#أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.