حين يسرق الجار جاره

هشام محمد شريف

(5—6)

خط الدفاع الأخير

هناك مقاومة أخلاقية صامتة تحدث كل يوم.

إنسان يعيد مالاً ليس له.

جار يحمي جاره.

أسرة تستضيف نازحاً.

طبيب يعالج مريضاً لا يستطيع الدفع.

معلم يواصل التدريس رغم انهيار المدرسة.

هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو هامشية وسط صوت المدافع والطائرات، لكنها في الحقيقة تمثل خط الدفاع الأخير عن المجتمع.

فالأخلاق لا تختفي فجأة.

إنها تتغير بالتدريج.

وحين تستمر الحرب سنوات أخرى، قد يبدأ جيل كامل في النظر إلى العالم بمعايير مختلفة عن تلك التي عرفها آباؤه.

جيل لا يعرف السودان الذي كانت فيه الجيرة حماية، والضيف أمانة، والجار سنداً، والعار الاجتماعي رادعاً، والقانون مرجعاً.

جيل قد يعرف بدلاً من ذلك السودان الذي كان فيه السلاح أسرع من القانون، والخوف أقوى من الثقة، والانتماء الضيق أقوى من الانتماء الوطني.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

فإعادة بناء الخرطوم ومدني وسنجة والنهود وغيرها قد تستغرق سنوات، لكن إعادة بناء الإنسان قد تستغرق جيلاً كاملاً.

إن المدن يمكن أن تُرمم.

الطرق يمكن أن تُعبد من جديد.

الأسواق يمكن أن تعود إلى العمل.

البيوت يمكن أن تُبنى.

لكن الثقة، حين تنهار، لا تُعاد بقرار إداري.

والجيرة، حين تتحول إلى خوف، تحتاج إلى سنوات حتى تستعيد معناها.

والإنسان الذي تعلم أن القانون لا يحميه، وأن القوة هي الوسيلة الوحيدة للبقاء، لن يغيّر قناعته لمجرد أن الحرب توقفت.

ولهذا فإن انتهاء القتال، مهما كان ضرورياً، ليس نهاية المهمة.

إنه بدايتها.

هل يمكن إنقاذ ما تبقى؟

نعم، ما دام المجتمع لم يفقد قدرته على التمييز بين الجريمة والضرورة، وبين القوة والحق، وبين الانتقام والعدالة.

لكن ذلك يتطلب أكثر من وقف إطلاق النار.

يحتاج السودان، بعد الحرب، إلى مشروع واسع للمصالحة والعدالة وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة، وإلى إعادة الأطفال إلى المدارس، وإلى إعادة الاعتبار للقانون، وإلى خطاب عام يرفض التعميم والكراهية ونزع الإنسانية عن الخصوم.

فالسلام الذي يوقف الرصاص فقط قد يترك الحرب حية داخل النفوس.

أما السلام الحقيقي فهو الذي يعيد للإنسان السوداني القدرة على النظر إلى الآخر باعتباره إنساناً قبل أن يكون خصماً أو مختلفاً.

وهذا يعني أن معركة ما بعد الحرب لن تكون أقل أهمية من معركة إيقاف الحرب نفسها.

ستكون هناك حاجة إلى مواجهة الذاكرة، ورد الحقوق، ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم، وإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح التعليم، ومساعدة الأسر على استعادة تماسكها.

لكن كل ذلك لن يكتمل إذا لم يستعد السودانيون أولاً فكرة بسيطة، لكنها شديدة العمق:

أن حياة الإنسان وكرامته وحقه في ملكيته ليست امتيازات تمنحها القوة، بل حقوق لا يجوز انتهاكها.

ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الصحيح الذي ينبغي أن نطرحه بعد كل هذه السنوات: كيف نعيد بناء السودان؟

بل سؤال أعمق وأشد إيلاماً:

كيف نعيد بناء الإنسان الذي سيدخل هذا السودان الجديد؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.