لماذا تعجز جماعات الإسلام السياسي في السودان عن إنتاج الإبداع الفكري والسياسي؟
محمد صالح محمد
الكيزان.. مشروع لا يحيا إلا بالقتل والدماء
يمثل المشهد السوداني المعاصر مختبراً دموياً ومركباً لأزمات الحداثة المتعثرة في العالم العربي والإفريقي، وتتصدر حركات الإسلام السياسي هذا المشهد كفاعل رئيسي طبع تاريخ البلاد الحديث بندوب عميقة. ورغم أن التجربة السودانية للإسلام السياسي تميزت برعاية عقول مفكرة ومخضرمة مثل حسن الترابي-بقدرة فائقة على المناورة التنظيمية والوصول إلى السلطة والبقاء فيها لعقود عبر ما عرف بـ”المشروع الحضاري” إلا أن الناظر إلى نتاجها الفكري والسياسي يلمس قحطاً مطبقاً وعجزاً بنيوياً عن الإبداع. إن هذه الجماعات، ومنذ نشأتها وحتى مآلاتها الراهنة، تبدو كمن يدور في حلقة مفرغة من الشعارات المستهلكة عاجزة عن تقديم رؤية خلاقة تُخاطب تعقيدات الدولة الوطنية أو تلامس أشواق الإنسان السوداني نحو الحرية والعدالة والسلام.
جذور الأزمة: أسبقية التنظيم على الفكرة
تكمن الإشكالية الكبرى لجماعات الإسلام السياسي في السودان في تبنيها لنموذج “التنظيم العضوي المغلق” المستمد من أدبيات الإخوان المسلمين حيث يتقدم الولاء التنظيمي والسمع والطاعة على رحابة الفكر وحرية الاجتهاد. في بيئة تحسس دائماً من “المفكر الحر” واعتبرته تهديداً لتماسك الجماعة، تحول الفكر الديني من نص حيّ متحرك إلى “عقيدة حزبية جامدة” تُدار بيارقها عبر التوجيهات المركزية.
هذا الجمود التنظيمي قتل روح المبادرة الفكرية، وأفرز عقليات بيروقراطية أمنية تدير الشأن العام بمنطق “الغنيمة والتمكين” لا بمنطق الإدارة الابتكارية مما جعل الإبداع السياسي مستحيلاً في ظل هيمنة عقلية الحراسة الأيديولوجية على كل مفاصل الفعل البشري.
مقصلة التمكين وتجفيف منابع الوعي :
حين سنحت الفرصة لهذه الجماعات لانفراد تام بالسلطة طوال ثلاثين عاماً (1989 – 2019) كشفت الممارسة العملية عن عداء مستحكم لكل ما هو إبداعي ومتنوع في الوجدان السوداني. لقد قامت سياسة “الصالح العام” وتجريف الخدمة المدنية والأكاديمية والعسكرية على إزاحة الكفاءات الوطنية المخلصة لصالح أهل الثقة والولاْء. ولم يقتصر الأمر على إقصاء الخصوم، بل امتد ليشمل محاصرة الفنون، والموسيقى، والأدب، والتنوع الثقافي الثري الذي يميز مجتمعات الهامش والمركز في السودان. وحين يُحارب الإبداع الثقافي والفني وتُقيد حرية التعبير فإن الفكر السياسي يذبل بالضرورة؛ فالسياسة بمعناها الخلاق هي ابتكار لحلول العيش المشترك بينما أنتجت هذه التجربة ثقافة “النبذ والتكفير والإقصاء” التي أفضت في النهاية إلى تمزق النسيج الاجتماعي وتفجر الحروب المدمرة.
شيزوفرينيا الخطاب: بين أستاذية العالم ومأزق الواقع
يعاني الخطاب السياسي لهذه الجماعات من انفصام بنيوي حاد بين أيديولوجيا “أستاذية العالم” والخلافة الوهمية وبين واقع الدولة الوطنية الحديثة ذات التوازنات الهشة والحدود المرعية. فعندما سقطت هذه الجماعات في اختبار إدارة التنوع السوداني الفريد، لجأت إلى إعادة تدوير القوالب القديمة والهروب إلى الأمام عبر تغذية النعرات الجهوية والقبلية تحت غطاء ديني مفارق لجوهر الروح السودانية السمحة. وحين تندلع الأزمات الكبرى يظهر العجز الإبداعي بأجلى عيانه؛ إذ يقتصر رد فعل هذه القوى على خطاب المظلومية التاريخية أو التعبئة العاطفية المعتمدة على استدعاء المقدّس لحماية المكاسب الحزبية الضيقة دون تقديم ورقة نقد ذاتي واحدة تشي بوعي عميق بأخطاء الماضي أو استشراف حقيقي لمستقبل الدولة.
المأزق التاريخي:
إن عجز جماعات الإسلام السياسي في السودان عن الإبداع ليس عرضاً عابراً، بل هو ناتج حتمي لطبيعة تكوينها الذي يرفض الاعتراف بالتطور التاريخي للمجتمعات ويصر على معاملة الدولة كأداة لاختبار نظريات أيديولوجية بائدة. وطالما ظلت هذه القوى رهينة لمخيال الماضي وأوهام الاستحواذ والهيمنة، فستظل عاجزة عن تقديم أي مفاتيح حقيقية لحل أزمات السودان الهيكلية لتتحول بمرور الوقت من حركة تاريخية تدعي الإصلاح إلى مجرد كتل مقاومة للتغيير، تقف كحجر عثرة أمام طموحات شعب دفع وما زال يدفع ثمن هذا الجدب الفكري دماراً وتهجيراً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.