البرهان في خطر ..الأسلحة الكيمائية من الاتهام إلى الأدلة

فاطمة غزالي

ظنت حكومة بورتسودان أن المعلومات المتعلقة باستخدامها للأسلحة الكيميائية في حرب 15 أبريل ضد قوات الدعم السريع ستظل حبيسة جدران الاستخبارات العسكرية والأجهزة الأمنية التابعة لحكومة بورتسودان وحلفائها الإقليميين والدوليين. لكن التقارير المتزامنة التي نشرتها صحيفتا “نيويورك تايمز”و”واشنطن بوست” بشأن الأدلة المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية تعكس شيئًا مهمًا للغاية، فهي تقارير إعلامية مختلفة لا تكتفي بنقل الاتهام الأمريكي، بل تضع أمام العالم ملفًا استخباراتيًا يتضمن وثائق وفيديوهات ورسائل داخلية تكشف تفاصيل عن برنامج لإنتاج أسلحة كيميائية داخل الجيش السوداني.
والنشاط الإعلامي الأمريكي الذي يسير في خط متوازٍ مع النشاط الاستخباراتي الأمريكي وضع ملف استخدام السلاح الكيميائي في درجة حرارة عالية، استطاعت أن تصهر “الاتهام الأمريكي” لحكومة بورتسودان إلى درجة الانتقال به إلى “ملف أدلة”. وهذا يشير إلى أن أدوات الجريمة والأدلة لم تصمد سريتها أمام القدرة الأمريكية على سبر غور الحقائق، خاصة إذا ارتبطت المعلومات بانتهاك القانون الدولي، وبما يخدم مصالح واشنطن الاستراتيجية المعلنة بشأن وقف الحرب في السودان. فالولايات المتحدة كانت تعلم بهذا الملف منذ فترة ليست بالقصيرة، إلا أنها اختارت إبقاءه سريًا وفقًا لتقديراتها السياسية والأمنية والدبلوماسية. والشاهد أن التقارير الإعلامية تقول إن بعض المواد البصرية الموجودة في الملف وصلت أيضًا إلى الاستخبارات الأمريكية، وإن مسؤولين أمريكيين استخدموا بعضها في يناير 2025 لتقييم ما إذا كان السودان يمتلك أسلحة كيميائية. وفي يونيو 2026، أعلنت الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن أنها ستفرض جولة ثانية من العقوبات على السودان بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية، وهذا يعني أن موقفها يستند إلى معطيات وأدلة جمعتها أجهزتها المختصة.
يبدو أن التقارير الإعلامية الأمريكية أسكتت صوت حكومة بورتسودان التي كانت تطالب واشنطن علنًا بتقديم الدليل بشأن الاتهامات الموجهة إليها باستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا. فقد كشفت الصحيفتان، وبصورة متزامنة، عن ملف يتضمن صورًا وفيديوهات ورسائل ووثائق تتحدث عن تصنيع واختبار وتخزين واستخدام ذخائر كيميائية. وقالت “واشنطن بوست” إن إحدى الرسائل تشير إلى تجميع مئات القنابل وتخزينها في قاعدة مروي، بينما تشير رسالة أخرى إلى استخدامها. كما يقول التقرير إن ملفًا قدمته جهة استخباراتية شرق أوسطية للصحيفة يتضمن صورًا وفيديوهات ووثائق واتصالات معترضة، ويعزز الاتهامات الأمريكية السابقة بأن الجيش السوداني طوّر واستخدم أسلحة كيميائية. وهنا تفرض العديد من الأسئلة نفسها على حكومة بورتسودان هل ستقبل بالتحقيق والتحقق والوصول إلى المواقع والأدلة والشهود؟ وهل قيادة الجيش واثقة من براءتها ومستعدة لإجراء تحقيق دولي مستقل؟ وهل هي قادرة على الاستمرار في سياسة الرفض أو الاكتفاء بنفي الاتهامات، بعد أن أصبح الملف مدعومًا بوثائق وصور وفيديوهات؟ وكم من الوقت ستظل متدثرة بالإنكار؟ خاصة أن الأدلة التي كشف الإعلام الأمريكي النقاب عنها سترفع، وبشكل كبير، مستوى الاتهام سياسيًا واستخباراتيًا ضد حكومة بورتسودان، مما يفرض ضغوطًا على البيت الأبيض لاتخاذ خطوات تتناسب طرديًا مع تطورات الملف الذي وصل إلى مرحلة الأدلة. مما لا شك فيه أن التقارير الصحفية وحدها لا تصنع السياسة الأمريكية، لكنها تستطيع أن تجعل التراجع عن ملف الأسلحة الكيميائية، أو الصمت حياله، أكثر تكلفة سياسيًا. ومن الصعوبة بمكان أن تتراجع الإدارة الأمريكية بعدما اتخذت موقفًا رسميًا في هذا الملف. وهذا يعني أن الضغوط قد تتجه نحو فرض عقوبات إضافية على أفراد ومؤسسات عسكرية، واستهداف شبكات التمويل والإمداد، والضغط من أجل السماح بتحقيق دولي، وتحرك أقوى داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وإدخال ملف الأسلحة الكيميائية بصورة أكثر وضوحًا في أي مفاوضات أمريكية بشأن السودان.
لا شك أن الأدلة التي نشرتها صحيفتا “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” ستكون لها تأثيرات خطيرة على حكومة الأمر الواقع وشرعية قيادتهاأي البرهان في خطر، خاصة أن ملف الأسلحة الكيميائية تمت مناقشته بالفعل في أروقة المنظمة الأممية، لأن السؤال ليس: هل استخدم الجيش السوداني الكلور؟ بل ستتجاوز ذلك إلى أسئلة أكثر خطورة: من كان يعلم؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن أشرف؟ ومن تستر على الجريمة التي، قطعًا، لم يسلم المدنيون من شرها؟.
ولسان حال العدالة يقول: آن الأوان لإنصاف ضحايا القوة المميتة التي يُتهم الجيش السوداني باستخدامها، خصوصًا بعد التهديدات العلنية باستخدام الأسلحة الكيميائية. ومهما حاول المجرم إخفاء جريمته، تخرج أدلة الإنصاف من حيث لا يحتسب، فيجد الضحية طريقًا إلى العدالة، ويجد المجرم نفسه أمام حقيقة لم يعد قادرًا على إخفائها.
نعم للعدالة والسلام .. لا للحرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.